أحكام القرآن - الجصاص - ج ٣ - الصفحة ١٨٤
قوله تعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم).
فيه إخبار عن كفار المنافقين، وكلمة الكفر كل كلمة فيها جحد لنعمة الله أو بلغت منزلتها في العظم، وكانوا يطعنون في النبوة والإسلام. ويقال إن القائل لكلمة الكفر الجلاس بن سويد بن الصامت قال: إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن شر من الحمير! ثم حلف بالله ما قال، روي ذلك عن مجاهد وعروة وابن إسحاق. وقال قتادة: " نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول حين قال: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) [المنافقون: 8] ". وقال الحسن: " كان جماعة من المنافقين قالوا ذلك ". وفيما قص الله علينا من شأن المنافقين وإخباره عنهم باعتقاد الكفر وقوله ثم تبقيته إياهم واستحياؤهم لما كانوا يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين من الاسلام دلالة على قبول توبة الزنديق المسر للكفر والمظهر للإيمان.
قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن) إلى آخر الآيتين، فيه الدلالة على أن من نذر نذرا فيه قربة لزمه الوفاء، لأن العهد هو النذر والإيجاب نحو قوله: إن رزقني الله ألف درهم فعلي أن أتصدق منها بخمسمائة، ونحو ذلك. فانتظمت هذه الآية أحكاما، منها: أن من نذر نذرا لزمه الوفاء بنفس المنذور لقوله تعالى: (فلما آتاهم من فضله بخلوا به)، فعنفهم حديث على ترك الوفاء بالمنذور بعينه، وهذا يدل على بطلان قول من أوجب في شيء بعينه كفارة يمين وأبطل إيجاب اخراج المنذور بعينه، ويدل أيضا على جواز تعليق النذر بشرط مثل أن يقول: إن قدم فلان فلله علي صدقة أو صيام، ويدل أيضا على أن النذر المضاف إلى الملك إيجاب في الملك وإن لم يكن الملك موجودا في الحال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا نذر فيما لا يملك ابن آدم "، وجعله الله تعالى نذرا في الملك وألزمه الوفاء به، فثبت بذلك أن النذر في غير ملك أن يقول: لله علي أن أتصدق بثوب زيد، أو نحوه، وهو يدل على أن من قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، أنه مطلق في نكاح لا قبل النكاح، كما كان المضيف للنذر إلى الملك ناذرا في الملك. ونظير ذلك في إيجاب نفس المنذور على موجبه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) [الصف: 2 و 3]، فاقتضى ذلك فعل المقول بعينه، وإخراج كفارة يمين ليس هو المقول بعينه، ونحوه قوله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) [النحل: 91] والوفاء بالعهد إنما هو فعل المعهود بعينه لا غير، وقوله: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) [البقرة: 40]، وقوله: (يوفون بالنذر) [الحديد: 27]، فمدحهم على فعل المنذور بعينه. ومن نظائره قوله تعالى: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها
(١٨٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 ... » »»