أحكام القرآن - الجصاص - ج ٣ - الصفحة ١٧٩
ترى أنه لا ضرورة بالمصلي على الراحلة في فعل التطوع كما لا ضرورة بالمتصدق صدقة التطوع على ما ذكرنا؟ فلما استويا من هذا الوجه اشتبها في الحكم، وأما الصلاة في الثوب النجس فغير جائزة إلا في حال الضرورة ويستوي فيه حكم مصلي الفرض أو متنفل، فلذلك اختلفا.
باب دفع الصدقات إلى صنف واحد قال الله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) الآية. فروى أبو داود الطيالسي قال: حدثنا أشعث بن سعيد عن عطاء عن سعيد بن جبير عن علي وابن عباس قالا: " إذا أعطى الرجل الصدقة صنفا واحدا من الأصناف الثمانية أجزأه "، وروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وحذيفة وعن سعيد بن جبير وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز وأبي العالية، ولا يروى عن الصحابة خلافه، فصار إجماعا من السلف لا يسع أحدا خلافه لظهوره واستفاضته فيهم من غير خلاف ظهر من أحد من نظرائهم عليهم. وروى الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن معاذ بن جبل: " أنه كان يأخذ من أهل اليمن العروض في الزكاة ويجعلها في صنف واحد من الناس "، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ومالك بن أنس. وقال الشافعي: " تقسم على ثمانية أصناف إلا أن يفقد صنف فتقسم في الباقين لا يجزي غيره "، وهذا قول مخالف لقول من قدمنا ذكره من السلف ومخالف للآثار والسنن وظاهر الكتاب، قال الله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) [البقرة: 271] وذلك عموم في جميع الصدقات لأنه اسم للجنس لدخول الألف واللام عليه، فاقتضت الآية دفع جميع الصدقات إلى صنف واحد من المذكورين وهم الفقراء، فدل على أن مراد الله تعالى في ذكر الأصناف إنما هو بيان أسباب سنة الفقر لا قسمتها على ثمانية. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: (في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) [المعارج: 24 و 25] وذلك يقتضي جواز إعطاء الصدقة هذين دون غيرهما، وذلك ينفي وجوب قسمتها على ثمانية.
وأيضا فإن قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء) عموم في سائر الصدقات وما يحصل منها في كل زمان، وقوله تعالى: (للفقراء) إلى آخره عموم أيضا في سائر المذكورين من الموجودين ومن يحدث منهم، ومعلوم أنه لم يرد قسمة كل ما يحصل من الصدقة في الموجودين ومن يحدث منهم لاستحالة إمكان ذلك إلى أن تقوم الساعة، فوجب أن يجزي إعطاء صدقة عام واحد لصنف واحد وإعطاء صدقة عام ثان لصنف آخر ثم كذلك صدقة كل عام لصنف من الأصناف على ما يرى الإمام قسمته، فثبت بذلك أن صدقة عام واحد أو رجل واحد غير مقسومة على ثمانية. وأيضا لا خلاف أن الفقراء لا يستحقونها
(١٧٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 ... » »»