أحكام القرآن - الجصاص - ج ٣ - الصفحة ١٨٠
بالشركة وأنه جائز أن يحرم البعض منهم ويعطى البعض، فثبت أن المقصد صرفها في بعض المذكورين، فوجب أن يجوز إعطاؤها بعض الأصناف كما جاز إعطاؤها بعض الفقراء، لأن ذلك لو كان حقا لهم جميعا لما جاز حرمان البعض وإعطاء البعض. قال أبو بكر: ويدل عليه ما روي في حديث سلمة بن صخر حين ظاهر من امرأته ولم يجد ما يطعم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينطلق إلى صاحب صدقة بني زريق ليدفع إليه صدقاتهم، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم دفع صدقاتهم إلى سلمة، وإنما هو من صنف واحد. وفي حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار في الرجلين اللذين سألا النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة، فرآهما جلدين فقال: " إن شئتما أعطيتكما " ولم يسألهما من أي الأصناف هما ليحسبهما من الصنف. ويدل على أنها مستحقة بالفقر قوله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم "، وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: " أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم حقا في أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد في فقرائهم "، فأخبر أن المعنى الذي به يستحق جميع الأصناف هو الفقر، لأنه عم جميع الصدقة وأخبر أنها مصروفة إلى الفقراء، وهذا اللفظ مع ما تضمن من الدلالة يدل على أن المعنى المستحق به الصدقة هو الفقر، وأن عمومه يقتضي جواز دفع جميع الصدقات إلى الفقراء حتى لا يعطى غيرهم، بل ظاهر اللفظ يقتضي إيجاب ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: " أمرت ".
فإن قيل: العامل يستحقه لا بالفقر. قيل له: لم يكونوا يأخذونها صدقة وإنما تحصل الصدقة للفقراء ثم يأخذها العامل عوضا من عمله لا صدقة، كفقير تصدق عليه فأعطاها عوضا عن عمل عمل له، وكما كان يتصدق على بريرة فتهديه للنبي صلى الله عليه وسلم هدية للنبي وصدقة لبريرة.
فإن قيل: فإن المؤلفة قلوبهم قد كانوا يأخذونها صدقة لا بالفقر. قيل له: لم يكونوا يأخذونها صدقة وإنما كانت تحصل صدقة للفقراء فيدفع بعضها إلى المؤلفة قلوبهم لدفع أذيتهم عن فقراء المسلمين وليسلموا فيكونوا قوة لهم، فلم يكونوا يأخذونها صدقة بل كانت تحصل صدقة فتصرف في مصالح المسلمين، إذ كان مال الفقراء جائزا صرفه في بعض مصالحهم إذ كان الإمام يلي عليهم ويتصرف في مصالحهم. فأما ذكر الأصناف فإنما جاء به لبيان أسباب الفقر على ما بينا، والدليل عليه أن الغارم وابن السبيل والغازي لا يستحقونها إلا بالحاجة والفقر دون غيرهما، فدل على أن المعنى الذي به يستحقونها هو الفقر.
فإن قيل: روى عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم أنه سمع زياد بن الحارث الصدائي يقول: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم، فقلت أعطني من صدقاتهم!
(١٨٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 ... » »»