تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٢ - الصفحة ١٦
النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد اشتمل القرآن على دعوة اليهود والنصارى وغيرهم وقبول ايمان من آمن منهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذا ما يستفاد من عموم دعوة نوح عليه السلام وعلى هذا فالمراد بقوله: " وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم " والله أعلم ان الله لم يبن ارسال الرسل والدعوة الدينية على أساس معجز خارق للعادة الجارية ولا فوض إلى رسله من الامر شيئا بل أرسلهم باللسان العادي الذي كانوا يكالمون قومهم ويحاورونهم به ليبينوا لهم مقاصد الوحي فليس لهم الا البيان واما ما وراء ذلك من الهداية والاضلال فإلى الله سبحانه لا يشاركه في ذلك رسول ولا غيره.
فتعود الآية كالبيان والايضاح لقوله تعالى قبل: " كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور باذن ربهم " وان معنى اخراجك الناس من الظلمات إلى النور ان تبين لهم ما انزل الله لا أزيد من ذلك فيكون في معنى قوله: " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " النحل: 44.
واما قوله: " فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء " فإشارة إلى ما أومأنا إليه ان أمر الهدى والضلال إلى الله لا يتحقق شئ منهما الا عن مشية منه تعالى غير أنه سبحانه أخبرنا ان هذه المشية منه ليست جزافية غير منتظمة بل لها نظم ثابت فمن اتبع الحق ولم يعانده هداه الله ومن جاحده واتبع هواه أضله الله فهو اضلال مجازاة غير الاضلال الابتدائي المذموم.
وقد قدم سبحانه الاضلال على الهداية إذ قال: " فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء " لان ذلك أحوج إلى البيان بالنظر إلى أن الكلام مبنى على عزته المطلقة فكان من الواجب ان يبين ان ضلال من يضل عن السبيل كهدى من اهتدى إليها انما هو بمشية منه تعالى ولم يغلب في ارادته ولم يزاحم في ملكه حتى لا يخيل إلى كل مغفل من الناس ان الله يصف نفسه بالعزة المطلقة وانه غالب غير مغلوب وقاهر غير مقهور ثم يدعو الناس فلا يستجيبون دعوته ويأمرهم وينهاهم فيعصون ولا يطيعون وهل هذا الا غلبة منهم وقهر وهو مغلوب مقهور؟
فكأنه تعالى أجاب عن ذلك بأن معنى دعوته تعالى ان يرسل رسولا بلسان
(١٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 ... » »»
الفهرست