تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٢ - الصفحة ١٠١
وقد اجتمع المعنيان في قوله تعالى: " وقالوا لولا انزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون " الانعام: 9 يقول تعالى لو أنزلنا عليه الملائكة آية خارقة للعادة مصدقة للنبوة كان لازمه القضاء عليهم وهلاكهم ولو قلدنا الملك النبوة والرسالة كان لازمه أن نصوره في صورة رجل من الانسان وأن نوقفه موقفا يحتمل اللبس فان الرسالة إحدى وسائل الامتحان والابتلاء الإلهي ولا امتحان الا بما يحتمل السعادة والشقاء والفوز والخيبة ويجوز معه النجاة والهلاك ولو توصل إلى الرسالة بما يضطر العقول إلى الايمان ويلجئ النفوس إلى القبول واليقين لبطل ذلك كله.
قوله تعالى: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " صدر الآية مسوق سوق الحصر وظاهر السياق ان الحصر ناظر إلى ما ذكر من ردهم القرآن بأنه من اهذار الجنون وانه صلى الله عليه وآله وسلم مجنون لا عبرة بما صنع ولا حجر ومن اقتراحهم أن يأتيهم بالملائكة ليصدقوه في دعوته وإن القرآن كتاب سماوي حق.
والمعنى على هذا والله أعلم ان هذا الذكر لم تأت به أنت من عندك حتى يعجزوك ويبطلوه بعنادهم وشدة بطشهم وتتكلف لحفظه ثم لا تقدر وليس نازلا من عند الملائكة حتى يفتقر إلى نزولهم وتصديقهم إياه بل نحن أنزلنا هذا الذكر انزالا تدريجيا وانا له لحافظون بما له من صفة الذكر بما لنا من العناية الكاملة به.
فهو ذكر حي خالد مصون من أن يموت وينسى من أصله مصون من الزيادة عليه بما يبطل به كونه ذكرا مصون من النقص كذلك مصون من التغيير في صورته وسياقه بحيث يتغير به صفة كونه ذكرا لله مبينا لحقائق معارفه.
فالآية تدل على كون كتاب الله محفوظا من التحريف بجميع أقسامه من جهة كونه ذكرا لله سبحانه فهو ذكر حي خالد.
ونظير الآية في الدلالة على كون الكتاب العزيز محفوظا بحفظ الله مصونا من التحريف والتصرف بأي وجه كان من جهة كونه ذكرا له سبحانه قوله تعالى: " إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
(١٠١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 ... » »»
الفهرست