الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل - الزمخشري - ج ١ - الصفحة ٢٧٦
أوف بعهدكم وإياي فارهبون. وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون. ولا تلبسوا الحق بالباطل
____________________
الله عليه - (أوف بعهدكم) بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم (وإياي فارهبون) فلا تنقضوا عهدي، وهو من قولك زيدا رهبته، وهو أوكد في إفادة الاختصاص من - إياك نعبد -. وقرئ " أوف " بالتشديد:
أي أبالغ في الوفاء بعهدكم كقوله - من جاء بالحسنة فله خير منها - ويجوز أن يريد بقوله وأوفوا بعهدي: ما عاهدوا ووعدوه من الإيمان بنبي الرحمة والكتاب المعجز، ويدل عليه قوله (وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به) أول من كفر به، أو أول فريق أو فوج كافر به، أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به كقولك كسانا حلة: أي كل واحد منا، وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه والمستفتحين على الذين كفروا به، وكانوا يعدون اتباعه أول الناس كلهم، فلما بعث كان أمرهم على العكس كقوله - لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة - إلى قوله - وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة - فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به - ويجوز أن يراد: ولا تكونوا مثل أول كافر به، يعنى من أشرك به من أهل مكة: أي ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكورا في التوراة موصوفا مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له. وقيل الضمير في به لما معكم لأنهم إذا كفروا بما يصدقه فقد كفروا به. والاشتراء: استعارة للاستبدال كقوله تعالى - اشتروا الضلالة بالهدى - وقوله: كما اشترى المسلم إذ تنصرا. وقوله: فإني شريت الحلم بعدك بالجهل، يعنى ولا تستبدلوا بآياتي ثمنا وإلا فالثمن هو المشترى به. والثمن القليل: الرياسة التي كانت لهم في قومهم خافوا عليها الفوات لو أصبحوا تباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاستبدلوها، وهى بدل قليل ومتاع يسير بآيات الله وبالحق الذي كل كثير إليه قليل وكل كبير إليه حقير، فما بال القليل الحقير. وقيل كانت عامتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم ويهدون إليهم الهدايا، ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلم وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع، وكان ملوكهم يدرون عليهم الأموال ليكتموا أو يحرفوا. الباء التي في (بالباطل) إن كانت صلة مثلها في قولك ليست الشئ بالشئ خلطته به، كان المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي
(٢٧٦)
مفاتيح البحث: الباطل، الإبطال (1)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 ... » »»