شرح فصوص الحكم - محمد داوود قيصري رومي - الصفحة ٤٤
كالهيمان الحاصل من الجمال الإلهي فإنه عبارة عن انقهار العقل منه وتحيره فيه و لكل جلال جمال وهو اللطف المستور في القهر (10) الإلهي كما قال الله: (ولكم في القصاص حيوة يا أولى الألباب). وقال أمير المؤمنين، عليه السلام: (سبحان من اتسعت رحمته لأوليائه في شدة نقمته (11) واشتدت نقمته (12) لأعدائه في سعة رحمته) (13). ومن هنا يعلم سر قوله، عليه السلام: (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) (14). وهذا المشار (15) إليه برزخ بين كل صفتين متقابلتين.
والذات مع صفة معينة واعتبار تجل من تجلياتها تسمى بالاسم: فان الرحمان ذات لها الرحمة، والقهار ذات لها القهر. وهذه الأسماء الملفوظة هي أسماء الأسماء (16). ومن هنا يعلم ان المراد بان الاسم عين المسمى ما هو (17). وقد يقال الاسم للصفة إذا الذات مشتركة بين الأسماء (18) كلها و التكثر فيها بسبب تكثر الصفات (19) وذلك التكثر باعتبار مراتبها الغيبية (20) التي هي (21) مفاتيح (22) الغيب (23) وهي معان معقولة في غيب الوجود الحق تعالى يتعين بها شؤون الحق و تجلياته، وليست بموجودات عينية (24) ولا تدخل في الوجود أصلا، بل الداخل فيه ما تعين من الوجود الحق في تلك المراتب من الأسماء فهي موجودة في العقل معدومة في العين ولها الأثر والحكم فيما له الوجود العيني كما أشار إليه الشيخ، رضى الله عنه، في الفص الأول وسيجئ بيانه، ان شاء الله تعالى.
ومن وجه يرجع التكثر إلى العلم الذاتي (25)، لان علمه تعالى بذاته لذاته أوجب العلم بكمالات ذاته في مرتبة أحديته، ثم المحبة الإلهية اقتضت ظهور الذات بكل منها على انفرادها متعينا في حضرته العلمية (26) ثم العينية، فحصل التكثر فيها.
والصفات ينقسم إلى ماله الحيطة التامة الكلية، وإلى ما لا يكون كذلك في الحيطة وان كانت هي أيضا محيطة بأكثر الأشياء. فالأول هي الأمهات من الصفات المسماة بالأئمة السبعة، وهي الحياة (27) والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام. وسمعه عبارة عن تجليه (28) بعلمه المتعلق بحقيقة الكلام الذاتي في مقام جمع الجمع والأعياني في مقامي الجمع والتفصيل ظاهرا وباطنا،

(10) - فيه إشارة إلى ان قهره لطف حقيقة لتكميل المقدمات.
(11) - أي، النقمة لا تكون الا لايصالهم إلى المراتب العالية. 12 (12) - ومنه يعلم الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. 12 (13) - أي، رحمته عليهم بالنعم الدنياوية عين نقمته عليهم. 12 (14) - واللذات الحيوانية. 12 (15) - من النعوت الجامعة للجلال والجمال. 12 (16) - بل أسماء أسماء الأسماء باعتبار. 12 (17) - أي، المراد بالاسم الذي هو عين المسمى حقيقة لا لفظ العالم وأمثاله. 12 (18) - إذ هي الذات المأخوذة مع صفة صفة. 12 (19) - أي، ما به التكثر وما منه هو العلم الذاتي الآتي بعيد هذا. 12 أي، مراتب الصفات وهي معان معقولة في غيب الذات وليست بموجودات عينية. فان العلم والقدرة والحياة، مثلا، من الأمور الكلية التي لا عين لها في الخارج مع قطع النظر عن الأعيان الموجودة كالانسان، مثلا، فهي موجودة بوجود الأعيان الموجودة لا بوجود أنفسها فلها الأثر في الموجود الخارجي والحكم بأنه عالم أوحى ونحوهما. فافهم.
(غلامعلى) (20) - قيل وهي الأعيان، واطلاق الغيب عليها باعتبار انها في حد ذواتها ليست بموجودة فهي غايبة عن أنفسها معلومة للعالم بها لا لأنفسها. والحاصل ان الصفات متحدة في الوجود الموجودة به والتكثر باعتبار إضافة ذلك الموجود إلى تلك المراتب المغيبة والأعيان الثابتة فيتميز كل عن الآخر تميزا علميا لا عينيا.
(21) - قال صدر المتألهين في إلهيات الاسفار: الصور العلمية القائمة بذاته هي عين الذات بوجه وغير الذات بوجه، وعلمه الذاتي السابق على كل شئ حتى تجلى تلك الصور العلمية هو المسمى بالغيب المشار إليه: (وعنده مفاتح الغيب التي لا يعلمها الا هو). فالمفاتيح هي الصور التفصيلية والغيب هو المرتبة الذات البحتة المتقدمة على تلك التفاصيل. وقال أيضا في شرحه لآية الكرسي: والتكثر في الأسماء بسبب تكثر الصفات وذات المتكثر انما يكون باعتبار مراتبه الغيبية التي هي مفاتيح الغيب وهي معان معقولة في عين الوجود الحق بمعنى ان الذات الإلهية بحيث لو وجدت في العقل أو أمكن ان يلحظها العين لكان ينتزع منها هذه المعاني ويصفها بها، فهو في نفسه مصداق تلك المعاني. 12 (22) - أي، عنوانات لفهم الحق. 12 (23) - المراد بالغيب هنا الماهية الصرفة، وكونها مفاتيحها كونها مجاليها ومظاهرها عند التجلي. 12 (24) - قيل، أي لا يكون لها تحقق بالذات بل بواسطة الوجود فيكون تحققها بالعرض لان ما يكون من سنخ المفاهيم لو كان موجودا بالذات لزم الانقلاب. 12 (25) - اعلم، ان ما به تكثر الصفات وتميزها الأعيان الثابتة في الحضرة العلمية ومنشأ ذلك التكثر وعلته العلم بذاته المستلزم للعلم بجميع كمالاته، وقد أشار إلى الأول بقوله، قدس سره: (وذلك التكثر...) وإلى الثاني بقوله: (ومن وجه يرجع التكثر...) فتأمل. 12 (26) - فاعلم، انه ما في الوجود الا عين واحدة. أي، عين الوجود الحق المطلق وحقيقته و هو الموجود المشهود لا غيره، ولكن هذه الحقيقة الواحدة والعين الأحدية لها مراتب ظهور لا يتناهى ابدا في التعين والتشخص ولكن كليات هذه المراتب منحصرة في الخمسة: اثنتان منها منسوبة إلى الحق وثلاثة منها منسوبة إلى الكون وسادسها هي الجامعة بينهما، وذلك لان هذه المراتب لما كانت مظاهر ومجالي فلا تخلو اما ان يكون مجلي ومظهرا يظهر فيه ما يظهر للحق سبحانه وحده لا للأشياء الكونية، أو يكون مظهرا يظهر فيه ما يظهر للحق وللأشياء الكونية أيضا، فالأول يسمى مرتبة الغيب لغيبة كل شئ كوني فيها عن نفسه ومثله فلا ظهور لشئ فيها الا للحق وانتفاء الظهور للأشياء يكون بأحد وجهين: أحدهما انتفاء أعيانها بالكلية حيث (كان الله ولا شئ معه). فينتفى الظهور لها علما ووجدانا لانتفاء أعيانها بالكلية وذلك المجلى هو التعين الأول والمرتبة الأولى من الغيب. والوجه الثاني بانتفاء صفة الظهور للأشياء عن أعيان الأشياء مع تحققها وتميزها وثبوتها في العلم الأزلي و ظهورها للعالم بها لا لأنفسها وأمثالها كما هو الامر في الصورة الذهنية في أذهاننا، و هذا المجلى والمظهر هو التعين الثاني وعالم المعاني والمرتبة الثانية ويعمهما اسم الغيب لما ذكرنا. واما ما يكون مجلي ومظهرا يظهر فيه ما يظهر للأشياء الكونية أيضا علما ووجدانا فهو على ثلاثة اقسام: فإنه اما ان يكون مجلي ومظهرا يظهر فيه ما يظهر للأشياء الكونية الموجودة البسيطة في ذاتها كذلك يسمى مرتبة الأرواح، أو مظهرا ومجلى يظهر فيه ما يظهر للأشياء الموجودة المركبة، فتلك الأشياء الموجودة المركبة اما ان تكون لطيفة بحيث لا تقبل التجزية والتبعيض والخرق والالتيام فمجلاها ومحل ظهورها يسمى مرتبة المثال، واما ان الموجودات المركبة كثيفة بالنسبة إلى تلك اللطائف أو على الحقيقة بحيث يقبل التجزية والتبعيض والخرق والالتيام فمجلاها ومحل ظهورها يسمى مرتبة الحس والشهادة وعالم الأجسام. والانسان الحقيقي الكامل جامع للجميع. (جامى، قدس سره). رأيت في سالف الزمان هذه التعليقة في كلام غيره وهو اخذ منه كما هو دينه.
(27) - وهي في الحقيقة وجود الموجودات في نفسه لنفسه بنفسه وهي حياة تامة ولوجود الشئ لغيره حياة ناقصة إضافية. فافهم.
(28) - في مرتبة الذات لذاته وهو ظهور ذاته لذاته لأنه عين العلم والكشف لذاته في مرتبة الذات.
(٤٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 22 23 24 25 43 44 45 46 47 48 49 ... » »»