شرح فصوص الحكم - محمد داوود قيصري رومي - الصفحة ٤٥
لا بطريق الشهود (29)، وبصره عبارة عن تجليه وتعلق علمه بالحقايق على طريق الشهود (30)، وكلامه عبارة عن التجلي الحاصل من تعلقي الإرادة والقدرة لاظهار ما في الغيب وايجاده. قال تعالى: (انما امره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون). وهذه الصفات، وان كانت أصولا لغيرها، لكن بعضها أيضا مشروطة بالبعض في تحققه، إذا العلم مشروط بالحياة والقدرة بهما وكذلك الإرادة والثلاثة الباقية مشروطة بالأربعة المذكورة.
والأسماء أيضا، تنقسم بنوع من القسمة إلى أربعة أسماء هي الأمهات: و هي الأول والآخر والظاهر والباطن، ويجمعها الاسم الجامع وهو الله والرحمان، قال تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى). أي، فلكل منهما الأسماء الحسنى الداخلة تحت حيطتهما. فكل اسم يكون مظهره أزليا وأبديا: فأزليته من الاسم الأول، وأبديته من الاسم الآخر، وظهوره من الاسم الظاهر، وبطونه من الاسم الباطن. فالأسماء المتعلقة بالابداء والايجاد داخلة في الأول، والمتعلقة بالإعادة والجزاء داخلة في الآخر، وما يتعلق بالظهور والبطون داخلة في الظاهر والباطن، والأشياء لا تخلو من هذه الأربعة: الظهور والبطون والأولية والآخرية.
وينقسم بنوع من القسمة أيضا، إلى أسماء الذات (31) وأسماء الصفات و أسماء الافعال (32). وان كان كلها أسماء الذات لكن باعتبار ظهور الذات فيها يسمى أسماء الذات، وبظهور الصفات فيها تسمى أسماء الصفات، و بظهور الأفعال فيها تسمى أسماء الافعال. وأكثرها يجمع الاعتبارين أو الثلاث، إذ فيها ما يدل على الذات باعتبار وما يدل على الصفات باعتبار آخر وما يدل على الافعال باعتبار ثالث، كالرب فإنه بمعنى الثابت للذات وبمعنى المالك للصفة وبمعنى المصلح للفعل (33). وأسماء الذات (34)، هو الله الرب الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر العلى العظيم الظاهر الباطن الأول الآخر الكبير الجليل المجيد الحق المبين الواجد الماجد الصمد المتعال الغنى النور الوارث ذو الجلال الرقيب. وأسماء الصفات، وهي الحي الشكور القهار القاهر

(٢٩) - اعلم، ان تجليه تعالى بعلمه له اعتباران: الأول، ظهور الذات وشهوده لذاته وهو حقيقة الابصار وبهذا الاعتبار يكون بصيرا. والثاني، ادراكه تعالى، في هذا التجلي، ذاته باعتبار انه عين الكلام ويكون منه السميع.
(٣٠) - اعلم، ان العلم السمعي لا يتعلق بذوات الأشياء من حيث هي بل بأصولها التي هي عبارة عن استعداداتها الذاتية لقبول الوجود، وكذا في الحق لا يتعلق بنفس الحق بما هو حق بل من حيث الاقتضاء الإجابة لا سؤلة الأعيان، واما العلم البصري ففي كلا المقامين يتعلق بأصل الذات على سبيل الحضور، فافهم ذلك تفهم معنى قوله: (لا بطريق الشهود وعلى الطريق الشهود). (غلامعلى) (٣١) - قوله: (وينقسم الأسماء إلى أسماء الذات...) قد مر في كلامه ان الذات مع صفة معينة و اعتبار تجل من تجلياته يسمى بالاسم. فلقائل ان يقول، إذا كانت الصفة مأخوذة في حد الاسم، فكيف ينقسم الاسم إلى أسماء الذات وأسماء الصفات والذات هيهنا هي الذات الساذجة بحكم المقابلة، وليس ذلك الا تقسيما للشئ إلى نفسه وإلى غيره. و أيضا إذا انقسم الاسم إلى أسماء الذات وأسماء الصفات فلم لا يكون له تعالى في المرتبة الأحدية الذاتية اسم ولا رسم؟ والذات في هذه المرتبة حاصلة وان تتصف بالصفات.
فنجيب عن الأول بان ذاته تعالى، وان كانت هي الطبيعة الاطلاقية للوجود، أي الوجود المأخوذ لا بشرط لأنه الواجب الوجود بالذات بالوجوب الذاتي الأزلي ضرورة ثبوت الوجود لنفسه بالضرورة الأزلية الغير المقيدة بالحيثية التعليلية والتقييدية، الا انه لما كان الواجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات فكانت ماهيته أنيته، فيكون وجودا صرفا وإنية محضة فيكون واحدا أحدا. والأحدية توجب الصمدية فيكون عين جميع الصفات والكمالات أي شؤونه الذاتية المندمجة فيه اندماج الأغصان والأوراق في النواة والحبات. إذا عرفت ذلك، عرفت ان اسم الذات أيضا اسم الذات مع الصفة، فان روح المعية هو الوحدة والذات متحدة مع الصفات، فالتقسيم باسم الذات و اسم الصفات باعتبار ظهور الذات دون الصفات في بعض الأسماء وظهور الصفات في بعض الآخر. واما الجواب عن الثاني، ان اسم الشئ ما يميزه ويكشفه، فيجب ان يطابقه ليكشفه. والذات الإلهية لا تظهر ولا تكشف بمفهوم من المفاهيم ليكون اسما له تعالى، فارجع إلى وجدانك هل تجد مفهوما من المفاهيم يكون ذلك المفهوم عين مفهوم آخر فضلا عن المفاهيم الغير المتناهية التي بإزاء كمالاته تعالى، كيف، والمفهوم محدود وذاته تعالى غير محدودة. فلا اسم للذات الأحدية أصلا تقدست ذاته تعالى عن ان يحده حاد ويحيط به شئ من الأشياء الغيبية كالمفاهيم أو العينية كالوجودات. فالوجود المنبسط العام ومفهومه العام الاعتباري يكشفان عن اطلاقه لا عن ذاته الأقدس الا رفع الاعلى. اما سمعت كلام الأحرار: ان العالم كله خيال في خيال، وذاته تعالى حقيقة قائمة بنفس ذاتها و ينحصر الوجود فيها. قال الشيخ العظيم، محيي الدين ابن عربي: (انما الكون خيال، وهو حق في الحقيقة - كل من يعلم هذا حاز أسرار الطريقة). والكون هو الوجود العام المنبسط، وإذا كان الكون خيالا فالمفهوم الاعتباري أيضا خيال وحقايق الأشياء المسماة بالعالم أيضا خيال، فالعالم كله خيال في خيال. وأنت تعلم ان خيال الشئ لا يكشف عنه لان خيال الشئ دون حقيقته والحكاية دون المحكى عنه. وإذا كان الامر كذلك فأسماء الذات تعبيرات عنها يعبر عنها بها للتفهيم. قال الشيخ المتأله، صدر الدين القونوي، في كتابه المسمى بمفتاح الغيب والشهود: (فللوجود اعتبار ان: أحدهما نفس كونه وجودا فحسب و هو الحق وانه من هذا الوجه كما سبقت الإشارة إليه لا كثرة فيه ولا تركيب ولا صفة ولا نعت ولا اسم ولا رسم ولا نسبة ولا حكم بل وجود بحت، وقولنا وجود هو للتفهيم لا ان ذلك اسم حقيقي له بل اسمه عين صفته وصفته عين ذاته وكماله نفس وجوده الذاتي الثابت له من نفسه لا من سواه، وحياته وقدرته عين علمه) إلى ان قال: (ولا ينحصر في المفهوم من الوحدة أو الوجود ولا ينضبط لشاهد ولا في مشهود). وقال أيضا في آخر منه: (اعلم، ان الحق هو الوجود المحض بلا خلاف فيه وانه واحد وحدة حقيقية لا يتعقل في مقابلها كثرة ولا يتوقف تحققها في نفسها ولا تصورها في العلم الصحيح المحقق على تصور ضد لها بل هي لنفسها ثابتة مثبتة لا مثبتة. وقولنا وحدة للتنزيه والتفهيم إذ لا دلالة لمفهوم الوحدة على نحو ما هو متصور في الأذهان المحجوبة). فظهر من كلامه في هذين الموضعين ان ذاته ليس لها اسم حقيقي، وما يقال من الأسماء تعبيرات عنه للتفهيم. (أستاذ محمد رضا قمشه اى، سلمه الله).
(٣٢) - أقول، وينقسم بنوع آخر من القسمة إلى الأسماء المشتركة والمخصة، أي المشتركة بين الحق والخلق والمختصة بأحدهما. القسم الأول كالعليم فإنه تعالى يعلم نفسه ويعلم خلقه، والقسم المختص بالحق كالاسم الله والواجب والحي، والقسم المختص بالخلق كالأسماء الفعلية تقول، خلق الخلق، ولا تقول خلق نفسه. وتقول: رزق الخلق، ولا تقول رزق نفسه. واغتنم. (غلامعلى) (٣٣) - ويمكن ان يكون معناه واحدا وهو المربي، ولكن يجمع الثلاث كلا من وجه وحيثية لان التربية تستلزم المالكية والاصلاح في الموجودات. (غلامعلى) (٣٤) - قال شمس الدين محمد في مصباح الانس وهو شرح مفتاح الغيب: (أسماء الذات الأسماء العامة الحكم القابلة للتعلقات المتقابلة والصفات المتباينة كالحياة من حيث هي والعلم من حيث هو وكذا الإرادة والقدرة والنورية، وأسماء الصفات هي التي تشعر بنوع تكثر ما محسوس معقول...).
(٤٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 23 24 25 43 44 45 46 47 48 49 50 ... » »»