دراسات في علم الدراية - علي أكبر غفاري - الصفحة ٩٦
الثالث: صرح غير واحد منهم بأن عمل المجتهد العدل في الأحكام وفتياه لغيره بفتوى على طبق حديث ليس حكما منه بصحته ولا مخالفته له قدحا فيه ولا في رواته خلافا لجماعة.
حجة الأول: أن كل واحد من العمل والمخالفة أعم من كونه مستندا إليه أو قادحا فيه لإمكان كون الاستناد في العمل إلى دليل آخر من حديث صحيح أو غيره، أو إلى انجبار بشهرة، أو قرينة أخرى توجب ظن الصدق، وإمكان كون المخالفة لشذوذه أو معارضته بما هو أرجح منه، أو غيرهما والعام لا يدل على الخاص.
وحجة الثاني: ما تمسك به جمع من أهل هذا القول من أن الراوي الذي عمل العدل بروايته لو لم يكن عدلا لزم عمل العدل بخبر غير العدل وهو فسق والتالي الباطل لأن المفروض عدالة العامل فبطل المقدم. وفيه منع كون عمله بخبر غير العدل فسقا مطلقا، لما عرفت من إمكان استناد العمل إلى قيام قرينة من شهرة جابرة ونحوها بصدقه مع فسق راويه، فالقول الأول أظهر.
نعم لو علم أن العدل المذكور لا يعمل إلا بخبر الثقة بحيث حصل الاطمئنان باستناده إلى ذلك الخبر بخصوصه دون دليل آخر وبعدم قيام قرينة خارجية بصدقه كان ذلك منه تعديلا لكنه فرض نادر.
الرابع: الحق أن موافقة الحديث للاجماع لا يدل على صحة سنده لجواز أن يكون مستندا المجمعين غيره أو يكونوا قد استندوا إليه لقيام قرينة خارجية بصدقه وكذا إبقاؤهم خبرا تتوفر الدواعي إلى إبطاله لا يدل على صحة سنده لما أبديناه من الاحتمال المانع للملازمة بين الإبقاء وبين صحة سنده.
الخامس: أنه قد يدخل في بعض الأسانيد من لم يقع في كتب الرجال تصريح بعدالته ووثاقته ولا بضعفه ومجروحيته، فمقتضى القاعدة إدخالهم في المجهولين بل لعل القاصر يستكشف من عدم تعرضهم لذكرهم في كتب الرجال عدم الاعتماد عليهم، بل وعدم الاعتداد بهم، ولكن التأمل الصادق يقضي بخلاف ذلك فإنا إذا وجدنا بعض الأعاظم من علمائنا المحدثين يعتنى كثيرا بشأنه ويكثر الرواية عنه، أو يترحم عليه ويترضى عنه كما يتفق ذلك للصدوق - رحمه الله - في بعض من
(٩٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 ... » »»