المبسوط - السرخسي - ج ٩ - الصفحة ١١٠
لتعفية أثر الزنا وحرمة إشاعة الفاحشة من حقوق الله تعالى فكان هذا نظير الواجب بمباشرة الزنا من حيث أن كل واحد منهما مشروع لابقاء الستر وتعفية أثر الزنا واعتبار الاحصان لمعني النعمة وذلك فيما هو من حق الله تعالى وما ذكره الخصم لا ينفي معني حق الله تعالى لان في عرضه حقه وحق الله تعالى وذلك في دفع عار الزنا عنه لان في ابقاء ستر العفة معني حق الله تعالى فإذا دل بعض الأدلة على أنه محض حق الله تعالى وبعض الأدلة على اجتماع الحقين فيه قلنا بأن المغلب حق الله تعالى مع اعتبار حق العبد فيه أيضا ليكون عملا بالأدلة كلها والدليل عليه أن الاستيفاء إلى الامام والامام إنما يتعين نائبا في استيفاء حق الله تعالى واما ما كأن حقا للعبد فاستيفاؤه إليه ولا معتبر بتوهم التفاوت فان للزوج أن يعزر زوجته وإن كان ذلك يوهم التفاوت لكن التعزير لما كان للزوج حقا له لا ينظر إلى توهم التفاوت من هذا الوجه وهذا لأن هذه المبالغة كما تتوهم من صاحب الحق تتوهم من الجلاد ويمنع صاحب الحق من ذلك إذا ظهر أثره كما يمنع الجلاد منه مع أن توهم الزيادة لا يمنع صاحب الحق عن استيفاء حقه كتوهم السراية في القصاص والدليل عليه أنه يتنصف هذا الحد بالرق وإنما يتنصف بالرق لانعدام نعمة الحرية في حق العبد لا لان بدنه دون بدن الحر في احتمال الضرب فاحتمال بدن العبد للمهانة والضرب أكثر وإنما يتكامل بتكامل النعم ما كان حقا لله تعالى لان شكر النعمة والتحرز عن كفران النعمة حق للمنعم والدليل عليه ان ما كان متمما لهذا الحد وهو سقوط الشهادة كان حقا لله تعالى فكذلك أصل الحد ولكن قد بينا ان فيه معنى حق العبد أيضا فلهذا تعتبر خصومته وطلبه ولهذا لا يعمل فيه الرجوع عن الاقرار لان الخصم مصدق له في الاقرار مكذب له في الرجوع بخلاف ما كان محض حق الله تعالى فان هناك ليس من يكذبه ولهذا يقام بحجة البينة بعد التقادم لعدم تمكن الشهود من أداء الشهادة قبل طلب المدعى فلا يصيرون متهمين بالضغينة ولهذا يقام على المستأمن لأنه لما كان للعبد حق الخصومة والطلب به والمستأمن ملتزم لحقوق العباد فيقام عليه إذا ثبت هذا الأصل فنقول بعفوه لا يسقط عندنا ولأنه إنما يملك اسقاط ما يتمحض حقا له فأما حق الله تعالى لا يملك اسقاطه وإن كان للعبد فيه حق كالعدة فإنها لا تسقط باسقاط الزوج لما فيها من حق الله تعالى وقد روى مثل مذهبنا عن علي رضي الله عنه ولكن الحد وإن لم يسقط بعفوه فإذا ذهب العافي لا يكون للامام ان يستوفى لما بينا ان الاستيفاء عند طلبه وقد ترك
(١١٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 ... » »»
الفهرست