إعانة الطالبين - البكري الدمياطي - ج ٢ - الصفحة ٢٨٨
أتمم لنا نورنا، واغفر لنا، إنك على كل شئ قدير) * (1) * (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم) * (2).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل وصحبه أجمعين. * (سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين) * (3).
(قوله: إكثار عبادة) أي وسن - مع التأكيد - إكثار عبادة في رمضان، وذلك لفضل أوقاته وحصول المضاعفة فيه، وكثرة الثواب وتيسير العمل بالخيرات فيه. أما المضاعفة: فلما ورد أن النافلة في رمضان يعدل ثوابها ثواب الفريضة، والفريضة فيه بسبعين فريضة في غيره. فمن يسمح بفوات هذا الربح، ويكسل عن اغتنام هذه التجارة التي لا تبور؟ وأما تيسير العمل بالخير فيه: فلان النفس - الامارة بالسوء - مسجونة بالجوع والعطش، والشياطين المثبطين عن الخير، المعوقين عنه مصفدون، لا يستطيعون الفساد، ولا يتمكنون منه. فلم يبق بعد ذلك عن الخيرات مانع، ولا من دونها حاجز، إلا لمن غلب عليه الشقاء، واستولى عليه الخذلان - والعياذ بالله تعالى -.
(فائدة) روي عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال: خطبنا رسول الله (ص) في آخر يوم من شعبان، فقال:
أيها الناس: قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك فيه ليلة القدر، خير من ألف شهر جعل الله تعالى صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة. وهو شهر المواساة، وهو شهر يزاد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان له عتق رقبة ومغفرة لذنوبه. قلنا يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم. قال: يعطي الله هذا الثواب من يفطر صائما على مذقة لبن، أو شربة ماء، أو تمرة. ومن أشبع صائما كان له مغفرة لذنوبه، وسقاه ربه من حوضي شربة لا يظمأ بعدها أبدا، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شئ. وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار. ومن خفف عن مملوكه فيه أعتقه الله من النار. فاستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى لكم عنهما - أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه. وأما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما: تسألون ربكم الجنة، تتعوذون به من النار.
(إخواني) هذه بشارة للصوام في شهر رمضان، إذا حموا نفوسهم من الزلل والعصيان، وأخلصوا صيامهم للواحد المنان، فكيف حال المفرط الذي يصوم ويأكل لحوم الاخوان؟ ويصلي وجسمه في مكان وقلبه في مكان؟ ويذكر الله بلسانه وقلبه مشغول بذكر فلان وفلان؟ فيا من أصبح إلى ما يضره متقدما، وأمسى بناء أمله بكف أجله متهدما: ستعلم من يأتي غدا حزينا متندما، ويبكي على تفريطه في شهره بدل الدموع دما أتراك أيها الصائم - أعددت عدة حازم لقبرك؟ أم حصلت عملا ينجيك في حشرك؟ أم حفظت حدود صومك في شهرك؟ أم هتكت حرمة الحمى؟ - كم من صوم فسد فلم يسقط به الفرض؟ وكم من صائم يفضحه الحساب يوم العرض؟ وكم من عاص في هذا الشهر تستغيث منه الأرض وتشكو من أعماله السماء؟ فيا ليت شعري من المقبول ومن المطرود؟ ومن المقرب ومن المبعد المذود؟ ومن الشقي ومن المسعود؟ لقد عاد الامر مبهما تالله لقد سعد في هذا الشهر بحراسة أيامه من كف جوارحه عن كسب آثامه، ولقد خاب من لم ينله من صيامه إلا الجوع والظمأ. وما أحسن قول بعضهم فيه:
شهر الصيام: لقد علوت مكرما، * وغدوت من بين الشهور معظما

(١) التحريم: ٨.
(٢) البقرة: ١٢٧ - ١٢٨.
(٣) الصافات: ١٨٠ - 181 - 182
(٢٨٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 ... » »»
الفهرست