مجموعة الرسائل - الشيخ لطف الله الصافي - ج ٢ - الصفحة ١٧٤
الحالات المقتضية لذلك فالشؤون متفاوتة والمشاهد والمقامات المتعالية القدسية لا تقاس مع غيرها من الشؤون والمقامات التي لابد للنبي والولي التلبس بها ولا يجوز في الحكمة ترفعهما عنها، بل هما مأموران بهما، متقربان بهما إلى الله تعالى، واما المشهد الذي هو مشهد ظهور محبة الله والانقطاع إليه ومشهد التشرف بتكليم الله تعالى يقتضى ترك الاشتغال بغيره وفنا كل حب وحبيب فيه ولذا أسرع موسى بعد ذلك إلى الذهاب إلى فرعون امتثالا لامره وترك أهله على حالهم، وهذا شان ترفع فيه النفس الانسانية إلى أعلى المراتب الروحانية والقدسية الملكوتية.
واما شانه في حال يوصف بحسبه بحب الأهل والمال والولد ويشتغل بحبهم وملازماته فهو أيضا شان من شؤونه ولكن ليس اشتغاله بالله كاشتغاله به في الشأن الأول، فاشتغاله به في الأول يتحصل له بغير الواسطة وفى الثاني شغله به يتحقق بواسطة غيره يجوز في هذا المقام الجمع بين الحبين، وبعبارة أخرى نقول: فعليه اشتغال القلب بمحبة الله في مشهد من مشاهد القرب ومعراج الانس تنافى اشتغاله الفعلي بمحبة غير الله والتوجه به كما أن فعلية اشتغال القلب بحب النساء لا تجتمع مع الاشتغال الفعلي التام بحب الله تعالى وان شئت الشاهد لذلك فعليك بالرجوع إلى الأدعية، ففي دعاء عرفة (أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يحبوا سواك ولم يلجأوا إلى غيرك) هذا، ولا يخفى عليك قصور عباراتنا عن بيان حقيقة هذه المنازل والمشاهد، سيما إذا كان النازل فيها وشاهدها الأنبياء والأولياء.
وثانيا: ما ذكره من أن المذموم حب يوجب مخالفة امره تعالى ونهيه صحيح لا ريب فيه، أي لا يترتب على حب غيره إذا لم يود إلى مخالفة أوامره ونواهيه عقاب وذم مولوي والآية (قل ان كان آبائكم) ناظرة إلى ذم هذا الحب المودى إلى العصيان والمخالفة، واما غيره فلم يكلف الله عباده بتركه وان رغبهم بالجهاد لترك بعض أنواعه
(١٧٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 ... » »»