أحكام القرآن - الجصاص - ج ٣ - الصفحة ١٧٥
مسكينا واحدا ". وقال المزني عن الشافعي: " وأقل ما يعطي أهل السهم من سهام الزكاة ثلاثة فإن أعطى اثنين وهو يجد الثالث ضمن ثلث سهم ". قال أبو بكر: قوله تعالى:
(إنما الصدقات للفقراء) اسم للجنس في المدفوع والمدفوع إليهم، وأسماء الأجناس إذا أطلقت فإنها تتناول المسميات بإيجاب الحكم فيها على أحد معنيين: إما الكل وإما أدناه، ولا تختص بعدد دون عدد لا بدلالة، إذ ليس فيها ذكر العدد، ألا ترى إلى قوله تعالى: (والسارق والسارقة) [المائدة: 38] وقوله: (الزانية والزاني) [النور: 2] وقوله: (وخلق الانسان ضعيفا) [النساء: 28] ونحوها من أسماء الأجناس أنها تتناول كل واحد من آحادها على حياله لا على طريق الجمع؟ ولذلك قال أصحابنا فيمن قال:
إن تزوجت النساء أو اشتريت العبيد، أنه على الواحد منهم، ولو قال: إن شربت الماء أو أكلت الطعام، كان على الجزء منها لا على استيعاب جميع ما تحته، وقالوا: لو أراد بيمينه استيعاب الجنس كان مصدقا ولم يحنث أبدا، إذ كان مقتضى اللفظ أحد معنيين إما استيعاب الجميع أو أدنى ما يقع عليه الاسم منه وليس للجميع حظ في ذلك، فلا معنى لاعتبار العدد فيه. وإذا ثبت ما وصفنا واتفق الجميع على أنه لم يرد بآية الصدقات استيعاب الجنس كله حتى لا يحرم واحد منهم، سقط اعتبار العدد فيه، فبطل قول من اعتبر ثلاثة منهم. وأيضا لما لم يكن ذلك حقا لإنسان بعينه وإنما هو حق الله تعالى يصرف في هذا الوجه وجب أن لا يختلف حكم الواحد والجماعة في جواز الإعطاء، ولأنه لو وجب اعتبار العدد لم يكن بعض الأعداد أولى بالاعتبار من بعض، إذ لا يختص الاسم بعدد دون عدد. وأيضا لما وجب اعتبار العدد وقد علمنا تعذر استيفائه لأنهم لا يحصون دل على سقوط اعتباره، إذ كان في اعتباره ما يؤديه إلى إسقاطه. وقد اختلف أبو يوسف ومحمد فيمن أوصى بثلث ماله للفقراء، فقال أبو يوسف: " يجزيه وضعه في فقير واحد "، وقال محمد: " لا يجزي إلا في اثنين فصاعدا "، شبهه أبو يوسف بالصدقات وهو أقيس.
واختلف في موضع أداء الزكاة، فقال أصحابنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد:
" تقسم صدقة كل بلد في فقرائه ولا يخرجها إلى غيره، وإن أخرجها إلى غيره فأعطاها الفقراء جاز ويكره ". وروى علي الرازي عن أبي سليمان عن ابن المبارك عن أبي حنيفة قال: " لا بأس بأن يبعث الزكاة من بلد إلى بلد آخر إلى ذي قرابته "، قال أبو سليمان:
فحدثت به محمد بن الحسن فقال: هذا حسن، وليس لنا في هذا سماع عن أبي حنيفة، قال أبو سليمان: فكتبه محمد بن الحسن عن ابن المبارك عن أبي حنيفة. وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران قال: أخبرنا أصحابنا عن محمد بن الحسن عن أبي سليمان عن
(١٧٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 ... » »»