أحكام القرآن - الجصاص - ج ٣ - الصفحة ١٠٧
الزهري عن أنس قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب كافة فقال عمر: يا أبا بكر أتريد أن تقاتل العرب كافة! فقال أبو بكر: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة منعوني دماءهم وأموالهم ". والله لو منعوني عقالا مما كانوا يعطون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. وروى مبارك بن فضالة عن الحسن قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب عن الاسلام إلا أهل المدينة، فنصب أبو بكر لهم الحرب فقالوا: فإذا نشهد أن لا إله إلا الله ونصلي ولا نزكي، فمشى عمر والبدريون إلى أبي بكر وقالوا: دعهم فإنهم إذا استقر الاسلام في قلوبهم وثبت أدوا! فقال: والله لو منعوني عقالا مما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه!
وقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاث: شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقال الله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) والله لا أسأل فوقهن ولا أقصر دونهن! فقالوا له: يا أبا بكر نحن نزكي ولا ندفعها إليك، فقال: لا والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأضعها مواضعها! وروى حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين مثله. وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر وارتد من ارتد من العرب، بعث أبو بكر لقتال من ارتد عن الاسلام، فقال له عمر: يا أبا بكر ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله "؟ فقال: لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه.
فأخبر جميع هؤلاء الرواة أن الذين ارتدوا من العرب إنما كان ردتهم من جهة امتناعهم من أداء الزكاة، وذلك عندنا على أنهم امتنعوا من أداء الزكاة على جهة الرد لها وترك قبولها، فسموا مرتدين من أجل ذلك. وقد أخبر أبو بكر الصديق أيضا في حديث الحسن أنه يقاتلهم على ترك الأداء إليه وإن كانوا معترفين بوجوبها، لأنهم قالوا بعد ذلك نزكي ولا نؤديها إليك، فقال: لا والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم! وفي ذلك ضربان من الدلالة، أحدهما: أن مانع الزكاة على وجه ترك التزامها والاعتراف بوجوبها مرتد وأن مانعها من الإمام بعد الاعتراف بها يستحق القتال، فثبت أن من أدى صدقة مواشيه إلى الفقراء أن الإمام لا يحتسب له بها وأنه متى امتنع من دفعها إلى الإمام قاتله عليها، وكذلك قال أصحابنا في صدقات المواشي. وأما زكاة الأموال فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر قد كانوا يأخذونها كما يأخذون صدقات المواشي، فلما كان أيام عثمان خطب الناس فقال: " هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده ثم ليزك بقية ماله " فجعل الأداء
(١٠٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 ... » »»