إعانة الطالبين - البكري الدمياطي - ج ٢ - الصفحة ١٢٤
لا يظهر خلقه: فلا يجب فيه شئ. لكن يسن ستره بخرقة ودفنه. والمراد بالشهيد - فيما تقدم - شهيد المعركة، سواء كان شهيدا في الدنيا والآخرة، وهو من قاتل لاعلاء كلمة الله. أو كان شهيدا في الدنيا فقط، وهو من قاتل للغنيمة مثلا. وأما شهيد الآخرة فقط: فهو كغير الشهيد، فيغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن. وأقسامه كثيرة، فمنها الميتة طلقا، ولو كانت حاملا من زنا، والميت غريقا وإن عصى بركوب البحر، والميت هديما، أو حريقا أو غريبا وإن عصى بالغربة، والمقتول ظلما ولو هيئة، كأن استحق شخص حز رقبته فقده نصفين، والميت بالبطن، أو في زمن الطاعون، ولو بغير، لكن كان صابرا محتسبا، أو بعده: وكان في زمنه كذلك. والميت في طلب العلم ولو على فراشه، والميت عشقا ولو لمن لم يبح وطؤه كأمرد، بشرط العفة، حتى عن النظر، بحيث لو اختلى بمحبوبه لم يتجاوز الشرع. وبشرط الكتمان حتى عن معشوقه. وأما خبر: إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره، فمحمول على غير العشق.
وما أحسن قول بعضهم:
كفى المحبين في الدنيا عذابهم * تالله لا عذبتهم بعدها سقر بل جنة الخلد مأواهم مزخرفة * ينعمون بها حقا بما صبروا فكيف لا، وهم حبوا وقد كتموا * مع العفاف؟ بهذا يشهد الخبر يأووا قصورا، وما وفوا منازلهم * حتى يروا الله، في ذا جاءنا الأثر (قوله: فرض كفاية) أي على من علم بموته من قريب أو غيره، أو لم يعلم به لكنه قصر في البحث عنه بحيث ينسب إلى تقصير، كأن يكون الميت جاره، فإن فعله أحد منا ولو غير مكلف سقط الحرج، وإلا أثم الجميع. (قوله:
للاجماع) دليل عليه أنه (1) فرض كفاية. وظاهره أنه دليل لذلك حتى بالنسبة للغسل، ويرد عليه أن الخلاف مشهور جدا عند المالكية بالنسبة له، حتى أن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سنة، ولكن الجمهور على وجوبه. (قوله: كغسله) أي فهو فرض كفاية. (قوله: ولو غريقا) غاية في كون الغسل فرض كفاية، أي هو فرض كفاية، ولو كان الميت غريقا في البحر أو غيره. وهي للرد على القائل بأن الغريق لا يجب غسله (قوله: لأنا) أي معاشر المكلفين، وهو علة لكون غسل الغريق فرض كفاية. وحاصلها أننا لا نكتفي باغتسال الغريق في البحر أو غيره، لأنا مخاطبون بغسل الميت مطلقا، ولا يسقط عنا الطلب إلا بفعلنا. (قوله: وإن شاهدنا الملائكة تغسله) غاية لمفهوم ما قبله، أي فلا يسقط عنا الطلب بفعل غيرنا، وإن شاهدنا الملائكة تغسله فلا بد من إعادة غسله. قال سم: وينبغي في صلاة الملائكة ما قيل في غسلهم إياه، بخلاف التكفين والدفن، فيجزئ من الملائكة. قال: وظاهر أن الحمل كالدفن، بل أولى كما هو ظاهر. اه‍. وإنما اكتفى بذلك منهم لان المقصود الستر والمواراة، وقد حصلا. بخلاف الغسل والصلاة، فإن المقصود منهما التعبد بفعلنا مع النظافة في الغسل. واختلف في تغسيل الجن، فذهب ابن حجر إلى عدم الاكتفاء بتغسيلهم. وذهب الرملي إلى الاكتفاء بذلك.
قال سم: (فرع) لو غسل الميت نفسه كرامة، فهل يكفي؟ لا يبعد أن يكفي. ولا يقال المخاطب بالفرض غيره، لجواز أنه إنما خوطب بذلك غيره لعجزه، فإذا أتى به كرامة كفى.
(فرع آخر) لو مات إنسان موتا حقيقيا، وجهز، ثم أحيي حياة حقيقية، ثم مات، فالوجه الذي لا شك فيه أنه يحب له تجهيز آخر، خلافا لمن توهمه. اه‍.
وفي ع ش ما نصه: وفي فتاوي حجر الحديثية ما حاصله أن ما من أحيي بعد الموت الحقيقي، بأن أخبر به معصوم، تثبت له جميع أحكام الموتى، من قسمة تركته، ونكاح زوجته، ونحو ذلك، وأن الحياة الثانية لا يعول عليها، (قوله: على أنه) أي المذكور من الصلاة والغسل. اه‍. مولف

(1)
(١٢٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 ... » »»
الفهرست