مكيال المكارم - ميرزا محمد تقي الأصفهاني - ج ١ - الصفحة ٣٥٣
هذين القسمين، دون القسم الأول، وهذا كما ترى لا يستلزم جهلا لله سبحانه، ومثال ذلك: أن يقدر الله سبحانه أن يعيش زيد عشرين سنة إن لم يصل رحمه، ويعيش ثلاثين سنة إن وصل رحمه فإنه تعالى قدر العشرين فإذا عمل زيد بالشرط الموقوف عليه زيد في عمره عشر سنين، فزيادة العشر بداء في تقدير العشرين والله تعالى كان عالما بذلك من أزل الآزال، لكن في ذلك التوقيف حكم جليلة لتقدير الخالق المتعال، فظهور ما قدره الله تعالى مشروطا عند تحقق شرطه - وقد خفي علينا - يسمى بداء، فتدبر.
وبهذا البيان: اتضح وجه الجمع بين طوائف من الأخبار:
- منها: ما دل على أن البداء لا يقع فيما يصل علمه إلى الأنبياء مثل ما روي في أصول الكافي (1) عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: العلم علمان فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه أحد من خلقه وعلم علمه ملائكته ورسله. فما علمه ملائكته ورسله، فإنه سيكون، ولا يكذب نفسه، ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون، يقدم منه ما يشاء ويثبت ما يشاء.
ومنها: ما دل على وقوع البداء، فيما يصل علمه إلى الملائكة والأنبياء أيضا مثل إخبار عيسى بموت المرأة التي كانت تزف إلى زوجها، ثم لم تمت وظهر خلافه وإخبار ملك الموت داود بموت شاب جالس عنده بعد سبعة أيام، ثم لم يمت، وزاد الله في أجله ثلاثين سنة لرحمة داود لهذا الشاب، وإخبار الله تعالى نوحا بهلاك قومه مرات ثم أخر ذلك وإخباره عز وجل نبيه يونس بهلاك قومه في اليوم المعين، ثم تاب الله عليهم، إلى غير ذلك.
ووجه الجمع بين الطائفتين أن يكون المراد بما ذكره مولانا الصادق (عليه السلام) في الرواية السابقة أن يخبر الله عز وجل نبيه بوقوع أمر ويخبره بأنه من المحتوم الذي لا يغير، مثل الأخبار الواردة في خروج السفياني الملعون، قبل قيام القائم عجل الله تعالى فرجه.
ويكون المراد بالطائفة الثانية أن يخبر الله تعالى نبيه مثلا بأمر، ولم يبين له كون ذلك محتوما أو موقوفا في علم الله تعالى على شئ فهذا الأمر ظاهره يكون محتوما، إذ لم يبين له كونه موقوفا فيمكن أن يقع فيه البداء، لكونه موقوفا عند الله عز وجل على أمر يظهره للنبي بل هو مخزون عنده ولا يستلزم وقوع خلافه كذبا ولا تكذيبا.

١ - الكافي: ٢ / 147 باب البداء ح 6.
(٣٥٣)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 ... » »»