تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٢٦ - الصفحة ٥٣
إذ ذاك وأخبروا أنها علامات لها كبعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج أحمد. والبخاري. ومسلم. والترمذي عن أنس قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى " وأراد عليه الصلاة والسلام مزيد القرب بين مبعثه والساعة فإن السبابة تقرب من الوسطى طولا فينا وهكذا فيه صلى الله عليه وسلم. وزعم بعضهم أن أمر الطول والقصر في وسطاه وسبابته عليه الصلاة والسلام على عكس ما فينا خطأ لا يلتفت إليه إلا أن يكون أراد ذلك في أصابع رجليه الشريفة صلى الله عليه وسلم.
وأخرج أحمد عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعثت أنا والساعة جميعا وإن كادت لتسبقني " وهذا أبلغ في إفادة القرب وعدوا منها انشقاق القمر الذي وقع له صلى الله عليه وسلم والدخان الذي وقع لأهل مكة وأما أشراطها مطلقا فكثيرة ألفت فيها كتب مختصرة ومطولة وهي تنقسم إلى مضيقة لا تبقى الدنيا بعد وقوعها إلا أيسر يسير كخروج المهدي رضي الله تعالى عنه على ما يقول أهل السنة دون ما يقوله الشيعة القائلون بالرجعة فإن الدنيا عندهم بعد ظهوره تبقى مدة معتدا بها وكنزول عيسى عليه السلام وخروج الدجال وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وغير ذلك، وغير مضيقة وهي أكثر الأشراط ككون الحفاة الرعاة رؤوس الناس وتطاولهم في البنيان وفشو الغيبة وأكل الربا وشرب الخمر وتعظيم رب المال وقلة الكرام وكثرة اللئام وتباهي الناس في المساجد واتخاذها طرقا وسوء الجوار وقطيعة الأرحام وقلة العلم وأن يوسد الأمر إلى غير أهله وأن يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع إلى ما يطول ذكره.
ومن وقف على الكتب المؤلفة في هذا الشأن واطلع على أحوال الأزمان رأى أن أكثر هذه العلامات قد برزت للعيان وامتلأت منها البلدان، ومع هذا كله أمر الساعة مجهول ورداء الخفاء عليه مسدول. وقصارى ما ينبغي أن يقال: أن ما بقي من عمر الدنيا أقل قليل بالنسبة إلى ما مضى، وفي بعض الآثار أنه عليه الصلاة والسلام خطب أصحابه بعد العصر حين كادت الشمس تغرب ولم يبق منها إلا أسف - أي شيء - فقال: " والذي نفس محمد بيده ما مثل ما مضى من الدنيا فيما بقي منها إلا مثل ما مضى من يومكم هذا فيما بقي منه وما بقي منه إلا اليسير " ولا ينبغي أن يقال: إن الألف الثانية بعد الهجرة وهي الألف التي نحن فيها هي ألف مخضرمة أي نصفها من الدنيا ونصفها الآخر من الآخرة، وقال الجلال السيوطي في رسالة سماها الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف: الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد على ألف سنة ولا تبلغ الزيادة عليها ألف سنة وبنى الأمر على ما ورد من أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في آخر الألف السادسة وأن الدجال يخرج على رأس مائة وينزل عيسى عليه السلام فيقتله ثم يمكث في الأرض أربعين سنة وأن الناس يمكثون بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة وأن بين النفختين أربعين سنة، وذكر الأحاديث والأخبار في ذلك.
وفي بهجة الناظرين وآيات المستدلين قد احتج كثير من العلماء على تعيين قرب زمانها بأحاديث لا تخلو عن نظر فمنهم من قال: بقي منها كذا، ومنهم من قال: يخرج الدجال على رأس كذا وتطلع الشمس على رأس كذا، وأفرد الحافظ السيوطي رسالة لذلك كله وقال: تقوم الساعة في نحو الألف والخمسمائة، وكل ذلك مردود وليس للمتكلمين في ذلك إلا ظن وحسبان لا يقوم عليه من الوحي برهان انتهى، ونقله السفاريني في " البحور الزاخرة " في علوم الآخرة، وذكر السيوطي عدة أخبار في كون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، أولها ما أخرجه الحكيم الترمذي
(٥٣)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 ... » »»