تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٢٦ - الصفحة ١٨٢
* (وجاءت سكرة الموت بالحق) * إلى آخره كلام وارد بعد تتميم الغرض من إثبات ما أنكروه من البعث بأبين دليل وأوضحه دال على أن هذا المنكر أنتم لاقوه فخذوا حذركم، والتعبير بالماضي هنا وفيما بعد لتحقق الوقوع، و * (سكرة الموت) * شدته مستعارة من الحالة التي تعرض بين المرء وعقله بجامع إن كلا منهما يصيب العقل بما يصيب، وجوز أن يشبه الموت بالشراب على طريق الاستعارة المكنية ويجعل إثبات السكرة له تخييلا، وليس بذاك، والباء إما للتعدية كما في قولك: جاء الرسول بالخبر، والمعنى أحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الذي نطقت به كتب الله تعالى ورسوله عليهم الصلاة والسلام، وقيل: حقيقة الأمر وجلية الحال من سعادة الميت وشقاوته، وقيل: بالحق الذي ينبغي أن يكون من الموت والجزاء فإن الإنسان خلق له، وإما للملابسة كما في قوله تعالى: * (تنبت بالدهن) * أي ملتبسة بالحق أي بحقيقة الأمر، وقيل: بالحكمة والغاية الجميلة. وقرىء * (سكرة الحق بالموت) * والمعنى إنها السكرة التي كتبت على الإنسان بموجب الحكمة وإنها لشدتها توجب زهوق الروح أو تستعقبه، وقيل: الباء بمعنى مع، وقيل: سكرة الحق سكرة الله تعالى على أن * (الحق) * من أسمائه عز وجل، والإضافة للتهويل لأن ما يجيء من العظيم عظيم. وقرأ ابن مسعود * (سكرات الموت) * جمعا، ويوافق ذلك ما أخرج البخاري. والترمذي. والنسائي. وابن ماجه عن عائشة " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات " وجاء في حديث صححه الحاكم عن القاسم بن محمد عن عائشة أيضا قالت: " لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعني على سكرات الموت " * (ذالك) * أي الحق * (ما كنت منه تحيد) * أي تميل وتعدل، فالإشارة إلى الحق والخطاب للفاجر لا للإنسان مطلقا والإشارة إلى الموت لأن الكلام في الكفرة، وإنما جيء بقوله تعالى: * (ولقد خلقنا الإنسان) * لإثبات العلم بجزئيات أحواله وتضمين شبه وعيد لهؤلاء إدماجا والتخلص منه إلى بيان أحواله في الآخرة ولأن قوله سبحانه وتعالى: * (لقد كنت في غفلة) * (ق: 22) الخ يناسب خطاب هؤلاء، وكذلك ما يعقبه على ما لا يخفى.
وأما حديث مقابليهم فقد أخذ فيه حيث قال عز وجل: * (وأزلفت الجنة) * الآيات، وقال بعض الأجلة: الإشارة إلى الموت والخطاب للإنسان الشامل للبر والفاجر والنفرة عن الموت شاملة لكل من أفراده طبعا.
وقال الطيبي: إن كان قوله تعالى: * (وجاءت سكرة الموت) * متصلا بقوله سبحانه: * (بل هم في لبس من خلق جديد) * (ق: 15) وقوله تعالى: * (كذبت قبلهم قوم نوح) * (ق: 12) فالمناسب أن يكون المشار إليه الحق والخطاب للفاجر، وإن كان تصلا بقوله تعالى: * (ولقد خلقنا الإنسان) * (ق: 16) فالمناسب أن يكون المشار إليه الموت والخطاب للجنس وفيه البر والفاجر، والالتفات لا يفارق الوجهين، والثاني هو الوجه لقوله تعالى بعد ذلك: * (وجاءت كل نفس) * (ق: 21) الخ، وتفصيله بقوله تعالى: * (ألقا في جهنم كل كفار عنيد) * (ق: 24). * (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد) * (ق: 31) وفيه ما يعلم مما قدمنا. وحكى في الكشاف عن بعضهم أنه سأل زيد بن أسلم عنذلك فقال: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فحكاه لصالح بن كيسان فقال. والله ما من عالية ولا لسان فصيح ولا معرفة بكلام العرب هو للكافر، ثم حكاهما للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس فقال: أخالفهما جميعا
(١٨٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 ... » »»