تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٦ - الصفحة ٢٥
التي بشر بها مريم عليها السلام على لسان الملائكة كما قال سبحانه: * (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة) * (آل عمران: 45) وجملة * (ألقاها) * حال على ما قيل: من الضمير المجرور في * (كلمته) * بتقدير قد والعامل فيها معنى الإضافة، والتقدير - وكلمته ملقيا إياها - وقيل: حال من ضميره عليه السلام المستكن فيما دل عليه * (وكلمته) * من معنى المشتق الذي هو العامل فيها، وقيل: حال من فاعل كان مقدرة مع إذ المتعلقة بالكلمة باعتبار أن المراد بها المكون، والتقدير إذ كان ألقاها إلى مريم.
* (وروح منه) * عطف على ما قبله وسمي عليه السلام روحا لأنه حدث عن نفخة جبرائيل عليه السلام في درع مريم عليها السلام بأمره سبحانه، وجاء تسمية النفخ روحا في كلامهم، ومنه قول ذي الرمة في نار (اقتدحها وأمر صاحبه بالنفخ فيها فقال). وأحيها بروحك و - من - متعلقة بمحذوف وقع صفة لروح، وهي لابتداء الغاية مجازا لا تبعيضية كما زعمت النصارى. يحكى أن طبيبا نصرانيا حاذقا للرشيد ناظر علي بن الحسين الواقدي المروزي ذات يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى عليه السلام جزء منه تعالى، وتلى هذه الآية، فقرأ الواقدي قوله تعالى: * (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه) * (الجاثية: 13) فقال: إذن يلزم أن يكون جميع الأشياء جزءا منه سبحانه وتعالى علوا كبيرا فانقطع النصراني فأسلم، وفرح الرشيد فرحا شديدا، ووصل الواقدي بصلة فاخرة، وقيل: سمي روحا لأن الناس يحيون به كما يحيون بالأرواح، وإلى ذلك ذهب الجبائي، وقيل: الروح هنا بمعنى الرحمة كما في قوله تعالى: * (وأيدهم بروح منه) * (المجادلة: 22) على وجه، وقيل: أريد بالروح الوحي الذي أوحى إلى مريم عليها السلام بالبشارة، وقيل: جرت العادة بأنهم إذا أرادوا وصف شيء بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح فلما كان عيسى عليه السلام متكونا من النفخ لا من النطفة وصف بالروح، وقيل: أريد بالروح السر كما يقال: روح هذه المسألة كذا أي أنه عليه السلام سر من أسرار الله تعالى وآية من آياته سبحانه، وقيل: المراد ذو روح على حذف المضاف، أو استعمال الروح في معنى ذي الروح، والإضافة إلى الله تعالى للتشريف، ونظير ذلك ما في التوراة أن موسى عليه السلام رجل الله. وعصاه قضيب الله وأورشليم بيت الله، وقيل: المراد من الروح جبريل عليه السلام، والعطف على الضمير المستكن في ألقاها والمعنى ألقاها الله تعالى وجبريل إلى مريم، ولا يخفى بعده. وعلى العلات لا حجة للنصارى على شيء مما زعموا في تشريف عيسى عليه السلام بنسبة الروح إليه إذ لغيره عليه السلام مشاركة له في ذلك، ففي " إنجيل لوقا " قال يسوع لتلاميذه: إن أباكم السماوي يعطي روح القدس الذين يسألونه، وفي " إنجيل متى ": إن يوحنا المعمداني امتلأ من روح القدس وهو في بطن أمه، وفي " التوراة ": قال الله تعالى لموسى عليه السلام اختر سبعين من قومك حتى أفيض عليهم من الروح التي عليك فيحملوا عنك ثقل هذا النعت، ففعل فأفاض عليهم من روحه فتبنوا لساعتهم، وفيها في حق يوسف عليه السلام: يقول الملك: هل رأيتم مثل هذا الفتى الذي روح الله تعالى عز وجل حال فيه، وفيها أيضا: إن روح الله تعالى حلت على دانيال إلى غير ذلك.
ولعل الروح في جميع ذلك أمر قدسي وسر إلهي يفيضه الله تعالى على من يشاء من عباده حسبما يشاء وفي أي وقت يشاء، وإطلاق ذلك على عيسى عليه السلام من باب المبالغة على حد ما قيل في زيد: عدل، وليس المراد به الروح الذي به الحياة أصلا، وقد يظهر ذلك بصورة كما يظهر القرآن بصورة الرجل الشاحب، والموت بصورة الكبش، ويؤيد ذلك في الجملة ما في " إنجيل متى " في تمام الكلام على تعميد عيسى عليه السلام: إن يسوع لما تعمد وخرج من الماء انفتحت له أبواب السماء ونظر روح الله تعالى جاءت له في صفة حمامة وإذا بصوت من السماء هذا
(٢٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 ... » »»