تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٦ - الصفحة ١٨
عدة المرسلين عليهم الصلاة والسلام فيأخذ بها ويرد الحديث وكأن الذي أوقعه في الوهم كلام بعض المحققين والأولى أن لا يقتصر على عدد الآية، فأخطأ في الفهم ومات في ربقة التقليد نسأل الله تعالى العافية.
* (وكلم الله موسى) * برفع الجلالة ونصب موسى، وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب أنهما قرآ على القلب. * (تكليما) * مصدر مؤكد رافع لاحتمال المجاز على ما ذكره غير واحد، ونظر فيه الشهاب بأنه مؤكد للفعل فيرفع المجاز عنه، وأما رفعه المجاز عن الإسناد بأن يكون المكلم رسله من الملائكة، كما يقال: قال الخليفة كذا إذا قاله وزيره فلا، مع أنه أكد الفعل، والمراد به معنى مجازي كقول هند بنت النعمان في زوجها روح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان: بكى الخز من روح وأنكر جلده * وعجت عجيجا من جذام المطارف فأكدت " عجت " مع أنه مجاز لأن الثياب لا تعج، وما نقل عن الفراء من أن العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فإذا أكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام لا يفي بالمقصود إذ نهاية ما فيه رفع المجاز عن الفعل في هذه المادة، ولا تعرض له لرفع المجاز عن الإسناد فللخصم أن يقول: التكليم حقيقة إلا أن إسناده إلى الله تعالى مجاز ولا تقوم الآية حجة عليه إلا بنفي ذلك الاحتمال، نعم إنها ظاهرة فيما ذهب إليه أهل السنة والجملة إما معطوفة على قوله تعالى: * (إنا أوحينا إليك) * (النساء: 163) عطف القصة على القصة لا على - * (آتينا) * - (النساء: 163) وما عطف عليه، وإما حال بتقدير قد كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات، والمعنى أن التكليم بغير واسطة منتهى مراتب الوحي وأعلاها، وقد خص به من بين الأنبياء الذين اعترفتم بنبوتهم موسى عليه السلام ولم يقدح ذلك فيهم أصلا فكيف يتوهم أن نزول التوراة عليه جملة قادح في نبوة من أنزل عليه الكتاب مفصلا مع ظهور حكمة ذلك.
هذا وقد تقدم لك كيفية سماع موسى عليه السلام لكلام الله عز وجل، وقد وقع التكليم أيضا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الإسراء مع زيادة رفعة، بل ما من معجزة لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم مثلها مع زيادة شرف له شرفه الله تعالى، بل ما من ذرة نور شعت في العالمين إلا تصدقت بها شمس ذاته صلى الله عليه وسلم، ولله سبحانه در البوصيري حيث يقول: وكل آي أتى الرسل الكرام بها * فإنما اتصلت من نوره بهم فصلى الله تعالى عليه وسلم تسليما كثيرا..
* (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) *.
* (رسلا مبشرين ومنذرين) * نصب على المدح، أو بإضمار أرسلنا أو على الحال من * (رسلا) * (النساء: 164) الذي قبله، أو ضميره وهي حال موطئة، والمقصود وصفها. وضعف هذا بأنه حينئذ لا وجه للفصل بين الحال وذيها، وجوز أن يكون نصبا على البدلية من * (رسلا) * الأول، وضعف بأن اتحاد البدل والمبدل منه لفظا بعيد، وإن كان المعتمد بالبدلية الوصف أي مبشرين من آمن وأطاع بالجنة والثواب ومنذرين من كفر وعصى بالنار والعقاب.
* (لئلا يكون للناس على الله حجة) * أي معذرة يعتذرون بها قائلين * (لولا أرسلت إلينا رسولا) * (طه: 134) فيبين لنا شرائعك ويعلمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك لقصور القوى البشرية عن إدراك جزئيات المصالح، وعجز أكثر الناس عن إدراك كلياتها. فالآية ظاهرة في أنه لا بد من الشرع وإرسال الرسل؛ وأن العقل لا يغني عن ذلك، وزعم المعتزلة أن العقل كاف وأن إرسال الرسل إنما هو للتنبيه عن سنة الغفلة التي تعتري الإنسان من دون اختيار، فمعنى الآية عندهم لئلا يبقى للناس على الله حجة، وسيأتي
(١٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 ... » »»