تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٥ - الصفحة ١٦٠
متناول لما تلى وما سيتلى، وإما أن تكون معطوفة على الضمير المستتر في * (يفتيكم) * وصح ذلك للفصل، والجمع بين الحقيقة والمجار في المجاز العقلي سائغ شائع، فلا يرد أن الله تعالى فاعل حقيقي للفعل، والمتلو فاعل مجازي له، والإسناد إليه من قبيل الإسناد إلى السبب فلا يصح العطف، ونظير ذلك أغناني زيد وعطاؤه، وإما أن تكون معطوفة على الاسم الجليل، والإيراد أيضا غير وارد، نعم المتبادر أن هذا العطف من عطف المفرد على المفرد، ويبعده إفراد الضمير كما لا يخفى، وعلى الثاني: تكون مفعولا لفعل محذوف أي ويبين لكم ما يتلى، والجملة إما معطوفة على جملة * (يفتيكم) * وإما معترضة، وعلى الثالث: إما أن تكون في محل الجر على القسم المنبىء عن تعظيم المقسم به وتفخيمه كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن وأقسم - بما يتلى عليكم في الكتاب - وإما أن تكون معطوفة على الضمير المجرور كما نقل عن محمد بن أبي موسى، وما عند البصريين ليس بوحي فيجب اتباعه، نعم فيه اختلال معنوي لا يكاد يندفع، وإما أن تكون معطوفة على النساء كما نقله الطبرسي عن بعضهم، ولا يخفى ما فيه.
وقوله سبحانه: * (في يت‍امى النساء) * متعلق - بيتلى - في غالب الاحتمالات أي ما يتلى عليكم في شأنهن ومنعوا ذلك على تقدير كون * (ما) * مبتدأ، و * (في الكتاب) * خبره لما يلزم عليه من الفصل بالخبر بين أجزاء الصلة، وكذا على تقدير القسم إذ لا معنى لتقييده بالمتلو بذلك ظاهرا، وجوزوا أن يكون بدلا من * (فيهن) * وأن يكون صلة أخرى - ليفتيكم - ومتى لزم تعلق حرفي جر بشيء واحد بدون اتباع يدفع بالتزام كونهما ليسا بمعنى، والممنوع تعلقهما كذلك إذا كانا بمعنى واحد، وفي الثاني هنا سببية كما في قوله صلى الله عليه وسلم: " إن امرأة دخلت النار في هرة " فالكلام إذا مثل جئتك في يوم الجمعة في أمر زيد أي بسببه، وإضافة اليتامى إلى النساء بمعنى من لأنها إضافة الشيء إلى جنسه، وجعلها أبو حيان بمعنى اللام ومعناها الاختصاص، وادعى أنه الأظهر وليس بشيء - كما قال الحلبي وغيره - وقرىء - ييامى - بياءين على أنه جمع أيم والعرب تبدل الهمزة ياءا كثيرة * (ال‍اتي لا تؤتونهن ما كتب لهن) * أي ما فرض لهن من الميراث وغيره على ما اختاره شيخ الإسلام، أو ما فرض لهن من الميراث فقط على ما روي عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد رضي الله تعالى عنه، واختاره الطبري، أو ما وجب لهن من الصداق على ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، واختاره الجبائي، وقيل: ما كتب لهن من النكاح فإن الأولياء كانوا يمنعوهن من التزوج. وروي ذلك عن الحسن، وقتادة، والسدي، وإبراهيم.
* (وترغبون) * عطف على صلة * (اللاتي) * أو على المنفي وحده، وجوز أن يكون حالا من فاعل * (تؤتونهن) * فإن قلنا بجواز اقتران الجملة المضارعية الحالية بالواو: فظاهر، وإذا قلنا بعدم الجواز: التزم تقدير مبتدأ أي وأنتم ترغبون * (أن تنكحوهن) * أي؛ في أن تنكحوهن أو عن أن تنكحوهن فإن أولياء اليتامى - كما ورد في غير ما خبر - كانوا يرغبون فيهن إن كن جميلات ويأكلون مالهن، وإلا كانوا يعضلوهن طمعا في ميراثهن، وحذف الجار هنا لا يعد لبسا بل إجمال، فكل من الحرفين مراد على سبيل البدل، واستدل بعض أصحابنا بالآية على جواز تزويج اليتيمة لأنه ذكر الرغبة في نكاحها فاقتضى جوازه، والشافعية يقولون: إنه إنما ذكر ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذم فلا دلالة فيها على ذلك مع أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحها فعله في حال الصغر، وهذا الخلاف في غير الأب والجد، وأما هما فيجوز لهما تزويج الصغير بلا خلاف.
* (والمستضعفين من الولدان) *
(١٦٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 ... » »»