تفسير ابن عربي - ابن العربي - ج ١ - الصفحة ١٠٤
* (إن الله مبتليكم بنهر) * هو منهل الطبيعة الجسمانية * (فمن شرب منه فليس مني) * أي: من كرع فيه مفرطا في الري منه. لأن أهل الطبيعة وعبدة الشهوات أذل وأعجز خلق الله، لا قوة لهم بقتال جالوت النفس الأمارة، ولا بجالوت عدو الدين، إذ لا حمية لهم ولا تشدد * (إلا من اغترف غرفة بيده) * أي: إلا من اقتنع منه بقدر الضرورة والاحتياج من غير حرص وانهماك فيه * (فشربوا منه) * أي: كرعوا فيه وانهمكوا * (إلا قليلا منهم) * إذ المتنزهون عن الأقذار الطبيعية، المتقدسون عن ملابسها، المتجردون عن غواشيها قليلون بالنسبة إلى من عداهم. قال الله تعالى:
* (وقليل ما هم) * [ص، الآية: 24]، * (وقليل من عبادي الشكور) * [سبأ، الآية: 13] وهم الذين آمنوا معه من أهل اليقين الذين كانوا يعلمون بنور يقينهم أن الغلبة ليست بالكثرة، بل بالنصرة الإلهية، فصبروا على ما عاينوا بقوة يقينهم، فظفروا.
* وقل من جد في أمر يطالبه * واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر * [تفسير سورة البقرة آية 255] * (الله لا إله إلا هو) * في الوجود، فكل ما عبد دونه لم تقع العبادة إلا له، علم أو لم يعلم، إذ لا معبود ولا موجود سواه * (الحي) * الذي حياته عين ذاته، وكل ما هو حي لم يحيى إلا بحياته * (القيوم) * الذي يقوم بنفسه ويقوم كل ما يقوم به. فلولا قيامه ما قام شيء في الوجود * (لا تأخذه) * غفوة ونعاس، كما يعتري الأحياء من غير قصدهم. فإن ذلك لا يكون إلا لمن حياته عارضة، فتغلبه الطبيعة بالحالة الذاتية طلبا للهدوء والراحة والإبدال عن تحليل اليقظة. فأما من حياته عين ذاته، فلا يمكن له ذلك. وبين كون حياته غير عارضة بقوله * (ولا نوم) * فإن النوم ينافي كون الحياة ذاتية، لأنه أشبه شيء بالموت. ولهذا قيل: النوم أخو الموت. ومن لا نوم له لذاته، لمنافاته كون الحياة غير ذاته، فلا سنة له، إذ السنة من مقدماته وآثاره كما تقول: ليس له ضحك ولا تعجب، وقوله: * (لا تأخذه سنة ولا نوم) * بيان لقيوميته * (له ما في السماوات وما في الأرض) * نواصيهم بيده، يفعل بهم ما يشاء. * (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) * إذ كلهم له وبه يتكلم من يتكلم به وبكلامه، فكيف يتكلم بغير إذنه وإرادته * (يعلم) * ما قبلهم وما بعدهم، فكيف بهم وبحالهم. أي: علمه شامل للأزمنة
(١٠٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 ... » »»