الإمامة تلك الحقيقة القرآنية - الدكتور زهير بيطار - الصفحة ٣٥٤
المتشابه ابتغاء تأويله، فلو أن الله تعالى حجب تأويله مطلقا، فكيف يذم من يتبعه حسب فهمه الذاتي له، وهل يكون عندئذ من سبيل إليه إلا هكذا؟، ولكي يخرج البعض من هذا المأزق ادعوا أن التكليف هو بالتصديق بها لا العمل، ولا ضرورة عندئذ للفهم، واعتبروا أن التأويل " يرجع إلى العلم بمدة أكل هذه الأمة ووقت قيام الساعة وفناء الدنيا ووقت طلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى وخروج الدجال ونحو ذلك مما استأثر الله بعلمه " " نقلناه عن تفسير البيان، ومن الواضح أن في هذا الاعتبار إسقاط على النص ليس فيه ما يوحي به، على أن المتشابه لا يقتصر على ما ذكروه، بل يشمل الكثير من الآيات التي تتكلم عن الخلق والبعث وأسرار الكون والطبيعة والحياة. والقول بأن الله تعالى لا يريد لنا أن نعلم شيئا من أسرارها يخالف المنهج القرآني، فها هو القرآن الكريم حين يتحدث عن أسرار خاصة بالخالق كالخلق يدعونا إلى النظر فيها * (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) *، وتراه كلما حدثنا بأسرار الحياة والطبيعة دعانا إلى أن نتفكر فيها، أو أن نعقلها، أو أن نتبصر بها، فيكون هذا مدخلا إلى الفهم وسببا إلى الإيمان. ولولا أن الله تعالى يريد للإنسان أن يعلم حقائق الوجود لما طلب إليه النظر فيها، ولولا أن هذه الآيات تختزن للإنسان فائدة لما أنزلها على رسوله ليبلغها ويبينها، ولقد ذكرنا بعض أوجه هذا الموضوع في بحث آية " لا يمسه إلا المطهرون "، فالاعتبار السابق بعيد عن حقيقة القرآن، والله تعالى أنزل آياتها ليعمل بها ويستفاد بها، ولم يخبرنا في الكتاب عن أمر عبثا ولا ترفا، فما كان متصلا بالتكليف لم يستقم العمل به إلا مع فهم مضمونه، وما كان غير ذلك
(٣٥٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 347 349 350 352 353 354 355 356 357 358 359 » »»