أضواء البيان - الشنقيطي - ج ٣ - الصفحة ٦٤
ضل فإنما يضل عليها ومآ أنا عليكم بوكيل) *. والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. وقد قدمنا طرفا منها في سورة (النحل). قوله تعالى: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) *. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لا تحمل نفس ذنب أخرى. بل لا تحمل نفس إلا ذنبها. فقوله * (ولا تزر) * أي لا تحمل، من وزريزر إذا حمل. ومنه سمي وزير السلطان، لأنه يحمل أعباء تدبير شؤون الدولة. والوزر: الإثم. يقال: وزر يزر وزرا، إذا أثم. والوزر أيضا: الثقل المثقل، أي لا تحمل نفس وازرة أي آثمة وزر نفس أخرى. أي إثمها، أو حملها الثقيل. بل لا تحمل إلا وزر نفسها.
وهذا المعنى جاء في آيات أخر. كقوله: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شىء ولو كان ذا قربى) *، وقوله: * (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم) *، وقوله: * (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) *، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد قدمنا في سورة (النحل) بإيضاح: أن هذه الآيات لا يعارضها قوله تعالى: * (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) *، ولا قوله: * (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) *. لأن المراد بذلك أنهم حملوا أوزار ضلالهم في أنفسهم، وأوزار إضلالهم غيرهم. لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا كما تقدم مستوفى.
تنبيه يرد على هذه الآية الكريمة سؤالان:
الأول ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما من (أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) فيقال: ما وجه تعذيبه ببكاء غيره. إذ مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن من لا يعلم أنها من أخذ الإنسان بذنب غيره؟
السؤال الثاني إيجاب دية الخطأ على العاقلة. فيقال: ما وجه إلزام العاقلة الدية
(٦٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 ... » »»