أضواء البيان - الشنقيطي - ج ٣ - الصفحة ٣٠٢
وقوله تعالى: * (والذين يحاجون فى الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم) *، وقوله تعالى: * (أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم م بين) *، وقوله تعالى: * (خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين) *، إلى غير ذلك من الآيات. وما فسرنا به قوله تعالى: * (وكان الإنسان أكثر شىء جدلا) * من أن معناه كثرة خصومة الكفار ومماراتهم بالباطل ليدحضوا به الحق هو السباق الذي نزلت فيه الآية الكريمة، لأن قوله: * (ولقد صرفنا فى هاذا القرءان للناس من كل مثل) * أي ليذكروا ويتعظوا وينيبوا إلى ربهم: بدليل قوله: * (ولقد صرفنا فى هاذا القرءان ليذكروا) *، وقوله: * (وتلك الا مثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) * فلما أتبع ذلك بقوله: * (وكان الإنسان أكثر شىء جدلا) * علمنا من سياق الآية أن الكفار أكثروا الجدل والخصوصة والمراء لإدحاض الحق الذي أوضحه الله بما ضربه في هذا القرآن من كل مثل. ولكن كون هذا هو ظاهر القرآن وسبب النزول لا ينافي تفسير الآية الكريمة بظاهر عمومها. لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما بيناه بأدلته فيما مضى. ولأجل هذا لما طرق النبي صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة رضي الله عنهما ليلة فقال: (ألا تصليان)؟ وقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. انصرف النبي صلى الله عليه وسلم راجعا وهو يضرب فخذه ويقول: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) والحديث مشهور متفق عليه. فإيراده صلى الله عليه وسلم الآية على قول علي رضي الله عنه (إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا) دليل على عموم الآية الكريمة، وشمولها لكل خصام وجدل، لكنه قد دلت آيات أخر على أن من الجدل ما هو محمود مأمور به لإظهار الحق، كقوله تعالى: * (وجادلهم بالتى هى أحسن) *، وقوله تعالى: * (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن) *. وقوله (جدلا) منصوب على التمييز، على حد قوله في الخلاصة: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن) *. وقوله (جدلا) منصوب على التمييز، على حد قوله في الخلاصة:
* والفاعل المعنى انصبن بأفعلا * مفضلا كانت أعلى منزلا * وقوله * (فى هاذا القرءان) * أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل جدلا كما تقدم. وصيغة التفضيل إذا أضيفت إلى نكرة كما في هذه الآية، أو جردت من الإضافة والتعريف بالألف واللام لزم إفرادها وتذكيرها كما عقده في الخلاصة بقوله
(٣٠٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 ... » »»