تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٢٦ - الصفحة ٤
من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه وهو في صلبه أنهما نزلتا في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما فكذبته عائشة وقالت: كذب مروان مرتين والله ما هو به ولو شئت أن اسمي الذي أنزلت فيه لسميته ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان فضض أي قطعة من لعنة الله تعالى، وفي رواية أنها قالت: إنما نزلت في فلان بن فلان وسمت رجلا آخر، واستثنى آخر * (ووصينا الإنسان) * الآيات الأربع كما حكاه في جمال القراء، وحكي أيضا استثناء * (فاصبر كما صبر أولوا العزم) * الآية ونقله في " البحر " عن ابن عباس. وقتادة، وكذا نقل فيه عنهما استثناء * (قل أرأيتم) * الخ، وتمام الكلام في ذلك سيأتي إن شاء الله تعالى. وآيها خمس وثلاثون في الكوفي وأربع وثلاثون في غيره والاختلاف في * (حم) * وتسمى لمجاوزتها الثلاثين ثلاثين. أخرج أحمد بسند جيد عن ابن عباس قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة من آل حم وهي الأحقاف وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت ثلاثين، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها على وجهين.
أخرج ابن الضريس. والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الأحقاف فسمعت رجلا يقرؤها خلاف ذلك فقلت: من أقرأكها؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: والله لقد أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم غير ذا فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ألم تقرئني كذا وكذا؟ قال: بلى فقال الآخر: ألم تقرئني كذا وكذا؟ قال: بلى فتمعد وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ليقرأ كل واحد منكما ما سمع فإنما هلك من كان قبلك بالاختلاف.
وأنت تعلم أن ما تواتر هو القرآن. ووجه اتصالها أنه تعالى لما ختم السورة التي قبلها بذكر التوحيد وذم أهل الشرك والوعيد افتتح هذه بالتوحيد ثم بالتوبيخ لأهل الكفر من العبيد فقال عز وجل:
* (حم * تنزيل الكت‍ابمن الله العزيز الحكيم) *.
* (حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) * الكلام فيه كالذي تقدم في مطلع السورة السابقة.
* (ما خلقنا السم‍اوات والارض وما بينهمآ إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عمآ أنذروا معرضون) *.
* (ما خلقنا السموات والأرض) * بما فيهما من حيث الجزئية منهما ومن حيث الاستقرار فيهما * (وما بينهما) * من المخلوقات * (إلا بالحق) * استثناء مفرع من أعم المفاعيل أي إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي تقتضيه الحكمة التكوينية والتشريعية، وفيه من الدلالة على وجود الصانع وصفات كماله وابتناء أفعاله على حكم بالغة وانتهائها إلى غايات جليلة ما لا يخفى، وجوز كونه مفرغا من أعم الأحوال من فاعل * (خلقنا) * أو من مفعوله أي ما خلقناها في حال من الأحوال إلا حال ملابستنا بالحق أو حال ملابستها به * (وأجل مسمى) * عطف على * (الحق) * بتقدير مضاف أي وبتقدير أجل مسمى، وقدر لأن الخلق إنما يلتبس به لا بالأجل نفسه والمراد بهذا الأجل - كما قال ابن عباس - يوم القيامة فإنه ينتهي إليه أمور الكل وتبدل فيه الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار، وقيل: مدة البقاء المقدر لكل واحد، ويؤيد الأول قوله تعالى:
* (والذين كفروا عما أنذروا معرضون) * فإن ما أنذروه يوم القيامة وما فيه من الطامة التامة والأهوال العامة لا آخر أعمارهم. وجوز كون * (ما) * مصدرية أي عن إنذارهم بذلك الوقت على إضافة المصدر إلى مفعوله الأول القائم مقام الفاعل، والجملة حالية أي ما خلقنا الخلق إلا بالحق وتقدير الأجل الذي يجازون عنده
(٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 ... » »»