تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ١٣ - الصفحة ١٣٣
والنفوس، والجار والمجرور خبر مقدم، وقوله سبحانه: * (الحسنى) * أي المثوبة الحسنى وهي الجنة كما قال قتادة. وغيره، وعن مجاهد الحياة الحسنى أي الطيبة التي لا يشوبها كدر أصلا. وعن ابن عباس أن المراد جزاء الكلمة الحسنى وهي لا إله إلا الله وفيه من البعد ما لا يخفى مبتدأ مؤخر * (والذين لم يستجيبوا له) * سبحانه وعاندوا الحق الجلي * (لو أن لهم ما في الأرض) * من أصناف الأموال * (جميعا) * بحيث لم يشذ منه شاذ في أقطارها أو مجموعا غير متفرق بحسب الأزمان * (ومثله معه لافتدوا به) * أي بالمذكور مما في الأرض ومثله معه جميعا ليتخلصوا عما بهم، وفيه من تهويل ما يلقاهم ما لا يحيط به البيان، والموصول مبتدأ والجملة الشرطية خبره وهي على ما قيل واقعة موقع السوأي المقابلة للحسنى الواقعة في القرينة الأولى فكأنه قيل: وللذين لم يستجيبوا له السوأى. وتعقب بأن الشرطية وان دلت على سوء حالهم لكنها بمعزل عن القيام مقام لفظ السوأى مصحوبا باللام الجارة الداخلة على الموصول أو ضميره وعليه يدور حصول المرام؛ فالذي ينبغي أن يعول عليه أن الواقع في تلك المقابلة سوء الحساب في قوله تعالى: * (أولئك لهم سوء الحساب) * وحيث كان اسم الإشارة الواقع مبتدأ في هذه الجملة عبارة عن الموصول الواقع مبتدأ في الجملة السابقة كان خبره أعني الجملة الظرفية خبرا عن الموصول في الحقيقة ومبينا لإبهام مضمون الشرطية الواقعة خبرا عنه أولا ولذلك ترك العطف فكأنه قيل: والذين لم يستجيبوا له لهم سوء الحساب وذلك في قوة أن يقال: وللذين لم يستجيبوا له سوء الحساب مع زيادة تأكيد فتم حسن المقابلة على أبلغ وجه وآكده. واعتذر بأنه يمكن أن يكون المراد أن * (لو أن لهم ما في الأرض جميعا) * إلى آخر الآية واقع موقع ذلك على معنى أن رعاية حسن المقابلة لقوله تعالى: * (للذين استجابوا لربهم الحسنى) * تقتضي أن يقال: وللذين لم يستجيبوا له السوأى ولا يزاد على ذلك لكنه جيىء بقوله سبحانه: * (لو أن لهم) * الخ بدل ما ذكر، ولعل في كلام الطيبي ما يستأنس به لذلك. وإلى اعتبار السوأى في المقابلة ذهب أيضا صاحب الكشف قال: إن قوله تعالى: * (لو أن لهم) * في مقابلة الحسنى يدل السوأى مع زيادة تصوير وتحسير، وأوثر الأجمال في الأول دلالة على أن جزاء المستجيبين لا يدخل تحت الوصف فتدبر، والمراد بسوء الحساب أي الحساب السيء على ما روي عن إبراهيم النخعي. والحسن أن يحاسبوا بذنوبهم كلها لا يغفر لهم منها شيء وهو المعنى بالمناقشة. وعن ابن عباس هو أن يحاسبوا فلا تقبل حسناتهم ولا تغفر سيآتهم * (ومأواهم) * أي مرجعهم * (جهنم) * بيان لمؤدي ما تقدم وفيه نوع تأييد لتفسير الحسنى بالجنة * (وبئس المهاد) * أي المستقر، والمخصوص بالذم محذوف أي مهادهم أو جهنم.
وقال الزمخشري: اللام في قوله تعالى: * (للذين استجابوا) * متعلقة * (يضرب الله الأمثال) * (الرعد: 17) وقوله سبحانه: * (الحسنى) * صفة للمصدر أي استجابوا الاستجابة الحسنى، وقوله عز وجل: * (والذين لم يستجيبوا) * معطوف على الموصول الأول، وقوله جل وعلا: * (لو أن لهم) * الخ كلام مستأنف مسوق لبيان ما أعد لغير المستجيبين من العذاب، والمعنى كذلك يضرب الله تعالى الأمثال للمؤمنين المستجيبين والكافرين المعاندين أي هما مثلا الفريقين انتهى، قال أبو حيان: والتفسير الأول أولى لأن فيه ضرب الأمثال غير مقيد بمثل هذين، والله تعالى قد ضرب أمثالا كثيرة في هذين وفي غيرهما ولأن فيه ذكر ثواب المستجيبين بخلاف هذا ولأن تقدير الاستجابة الحسنى مشعر بتقييد الاستجابة ومقابلها ليس نفي الاستجابة مطلقا وإنما
(١٣٣)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 ... » »»