تفسير البحر المحيط - أبي حيان الأندلسي - ج ٥ - الصفحة ١٦٨
غلبت علينا شقوتنا وأما إخفاء الندامة فقيل: أخفى رؤساؤهم الندامة من سفلتهم حياء منهم وخوفا من توبيخهم، وهذا فيه بعد، لأن من عاين العذاب هو مشغول بما يقاسيه منه فكيف له فكر في الحياء وفي التوبيخ الوارد من السفلة. وأيضا وأسروا عائد على كل نفس ظلمت على المعنى، وهو عام في الرؤساء والسفقلة. وقيل: إخفاء الندامة هو من كونهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحسبوه ولا خطر ببالهم، ومعاينتهم ما أوهى قواهم فلم يطيقوا عند ذلك بكاء ولا صراخا. ولا ما يفعله الجازع سوى إسرار الندم والحسرة في القلوب، كما يعرض لمن يقدم للصلب لا يكاد ينبس بكملة، ويبقى مبهوتا جامدا. وأما من قال: إن معنى قوله: وأسروا الندامة، أخلصوا لله في تلك الندامة، أو بدت بالندامة أسرة وجوههم أي: تكاسير جباههم ففيه بعد عن سياق الآية. والظاهر أن قوله: وقضى بينهم بالقسط، جملة أخبار مستأنفة، وليست معطوفة على ما في حيز لما، وأن الضمير في بينهم عائد على كل نفس ظلمت. وقال الزمشري: بين الظالمين والمظلومين دل على ذلك ذكر الظلم انتهى. وقيل: يعود على المؤمن والكافر. وقيل: على الرؤساء والأتباع.
* (ألا إن لله ما فى * السماوات والارض * ألا إن وعد الله حق ولاكن أكثرهم لا يعلمون * وهو يحى * ويميت وإليه ترجعون) *: قيل: تعلق هذه الآية بما قبلها من جهة أنه فرض أن النفس الظالمة لو كان لها ما في الأرض لافتدت به، وهي لا شئ لها البتة، لأن جميع الأشياء إنما هي بأسرها ملك لله تعالى، وهو المتصرف فيها، إذ له الملك والملك. ويظهر أن مناسبتها لما قبلها أنه لما سألوا عما وعدوا به من العذاب أحق هو؟ وأجيبوا بأنه حق لا محالة، وكان ذلك جوابا كافيا لمن وفقه الله تعالى للإيمان، كما كان جوابا للأعرابي حين سأل الرسول صلى الله عليه وسلم): آلله أرسلك؟ قوله عليه السلام: (اللهم نعم) فقنع منه بإخباره صلى الله عليه وسلم) إذ علم أنه لا يقول إلا الحق والصدق، كما قال هرقل: لم يكن ليدع الكذب على الناس. ويكذب على الله انتقل من هذا الجواب إلى ذكر البرهان القاطع على حجته. وتقريره بأن القول بالنبوة والمعاد يتفرعان على إثبات الإله القادر الحكيم، وأن ما سواه فهو ملكه وملكته؟ وعن هذا بهذه الآية، وكان قد استقصى الدلائل على ذلك في هذه السورة في قوله: * (إن فى اختلاف اليل والنهار) * الآية وقوله: * (هو الذى جعل الشمس ضياء) * فاكتفى هنا عن ذكرها. وإذا كان جميع ما في العالم ملكه، وملكه كان قادرا على كل الممكنات، عالما بكل المعلومات، غنيا عن جميع الحاجات، منزها عن النقائص والآفات، وبكونه قادرا على الممكنات كان قادرا على إنزال العذاب على الكفار في الدنيا والآخرة، وقادرا على تأييد رسوله بالدلائل وإعلاء دينه، فبطل الاستهزاء والتعجيز. وبتنزيهه عن النقائص كان منزها عن الخلف والكذب، فثبت أن قوله: إلا أن لله ما في السماوات والأرض مقدمة توجب الجزم بصحة قوله. ألا إن وعد الله حق. وألا كلمة تنبيه دخلت على الجملتين تنبيها للغافل، إذ كانوا مشغولين بالنظر إلى الأسباب الظاهرة من نسبة أشياء إلى أنها مملوكة لمن جعل له بعض تصرف فيها واستخلاف، ولذلك قال تعالى: ولكن أكثرهم لا يعلمون يعني: لغفلتهم عن هذه الدئل، ثم أتبع ذلك بذكر قدرته على الإحياء والإماتة. فيجب أن يكون قادرا على إحيائه مرة ثانية، ولذلك قال: وإليه ترجعون، فترون ما وعد به. وقرأ الحسن بخلاف عنه، وعيسى ابن عمر: يرجعون بالياء على الغيبة. وقرأ الجمهور: بالتاء على الخطاب.
* (ترجعون ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) *: قيل: نزلت في قريش الذين سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم) أحق؟ هو فالناس هم كفار قريش. وقال ابن عطية: هو خطاب لجميع العالم. ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر الأدلة على الألوهية والوحدانية والقدرة، ذكر الدلائل الدالة على صحة النبوة والطريق المؤدي
(١٦٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 ... » »»