تفسير ابن عربي - ابن العربي - ج ١ - الصفحة ١١٤
نقصانا في الشاهد، لأن الزيادة والنقصان إنما يكونان باعتبار العاقبة والنفع في الدارين. والمال الحاصل من الربا لا بركة له، لأنه حصل من مخالفة الحق فتكون عاقبته وخيمة وصاحبه يرتكب سائر المعاصي إذ كل طعام يولد في أكله دواعي وأفعالا من جنسه، فإن كان حراما يدعوه إلى أفعال محرمة، وإن كان مكروها فإلى أفعال مكروهة، وإن كان مباحا فإلى مباحة، وإن كان من طعام الفضل فإلى مندوبات، وكان في أفعاله متبرعا متفضلا، وإن كان بقدر الواجب من الحقوق فأفعاله تكون واجبة ضرورية، وإن كان من الفضول والحظوظ فأفعاله تكون كذلك، فعليه إثم الربا وآثار أفعاله المحرمة المتولدة من أكله على ما ورد في الحديث: ' الذنب بعد الذنب عقوبة للذنب الأول '، فتزداد عقوباته وآثامه أبدا، ويتلف الله ماله في الدنيا فلا ينتفع به أعقابه وأولاده فيكون ممن خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو المحق الكلي. وأما المتصدق، فلكون ماله مزكى، يبارك الله في تثميره مع حفظ الأصل وآكله لا يكون إلا مطيعا في أفعاله، ويبقى ماله في أعقابه وأولاده منتفعا به وذلك هو الزيادة في الحقيقة، ولو لم تكن زيادته إلا ما صرف في طاعة الله لكفى به زيادة، وأي زيادة أفضل مما تبقى عند الله، ولو لم يكن نقصان الربا إلا حصوله من مخالفة الله وارتكاب نهيه لكفى به نقصا، وأي نقصان أفحش مما يكون سبب حجاب صاحبه وعذابه ونقصان حظه عند الله. * (والله لا يحب كل كفار أثيم) * أي: آكل الربا كفار أثيم بفعله والله لا يحب من كان كذلك.
[تفسير سورة البقرة آية 284] * (لله ما في السماوات) * أي: في العالم الروحاني كله، بواطنه وصفاته وأستار غيوبه ودفائن وجوده * (وما في الأرض) * أي: في العالم الجسماني كله ظواهره وأسماؤه وأفعاله، تشهد العالمين، وهو على كل شيء شهيد * (وإن تبدوا ما في أنفسكم) * يشهده بأسمائه وظواهره، فيعلمه ويحاسبكم به، وإن تخفوه يشهده بصفاته وبواطنه فيعلمه ويحاسبكم به * (فيغفر لمن يشاء) * لتوحيده وقوة يقينه، وعروض سيئاته، وعدم رسوخها في ذاته، فإن مشيئته مبنية على حكمته * (ويعذب من يشاء) * لفساد اعتقاده، ووجود شكه، أو رسوخ سيئاته في نفسه * (والله على كل شيء قدير) * فيقدر على المغفرة والتعذيب جميعا.
[تفسير سورة البقرة من آية 285 إلى آية 286]
(١١٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 ... » »»