أحكام القرآن - الجصاص - ج ٣ - الصفحة ٥٧
غيرها، فعلمنا أنه أراد الجميع. وقال في حديث وهب بن كيسان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج إلا وراء الإمام " فنص على تركها خلف الإمام، وذلك يبطل تأويلك وقولك باستعمال الأخبار بل أنت رادها غير مستعمل لها.
فإن قيل: ما استدللت به من قول الصحابة لا دليل فيه، لأنهم قد خالفهم نظراؤهم، فمن ذلك ما رواه عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا سليمان الشيباني عن جواب عن يزيد بن شريك قال: قلت لعمر بن الخطاب: أو سمعت رجلا قال له اقرأ خلف الإمام؟ قال: نعم، قال: قلت: وإن قرأ؟ قال: وإن قرأ. وروى شعبة عن أبي الفيض عن أبي شيبة، قال معاذ: " إذا كنت تسمع قراءة الإمام فاقرأ بقل هو الله أحد ونحوها، وإذا لم تسمع قراءته ففي نفسك ". وروى أشعث عن الحكم وحماد: " أن عليا كان يأمر بالقراءة خلف الإمام ". وروى ليث عن عطاء عن ابن عباس: لا تدع أن تقرأ بفاتحة الكتاب جهر الإمام أو لم يجهر ". فإذا كان هؤلاء الصحابة قد روي عنهم القراءة خلف الإمام وروي عنهم تركها فكيف تثبت به حجة؟ قيل له: أما حديث عمر ومعاذ فمجهول السند لا تثبت بمثله حجة، وحديث علي إنما هو عن الحكم وحماد ومخالفنا لا يقبل مثله لإرساله، وحديث ابن عباس هذا رواه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وقد روى عنه أبو حمزة النهي. ومع ذلك فلم يكن احتجاجنا من جهة قول الصحابة فحسب وإنما قلنا إن ما كان هذا سبيله من الفروض التي عمت الحاجة إليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخليهم من توقيف لهم على إيجابه، فلما وجدناهم قائلين بالنهي علمنا أنه لم يكن منه توقيف للكافة عليه، فثبت أنها غير واجبة، ولا يصير قول من قال منهم بإيجابه قادحا فيما ذكرنا، من قبل أن أكثر ما فيه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف عليه للكافة، فذهب منهم ذاهبون إلى إيجاب قراءتها بتأويل أو قياس، ومثل ذلك طريقه الكافة ونقل الأمة. ويدل على نفي وجوبها اتفاق الجميع على أن مدرك الإمام في الركوع يتابعه مع ترك القراءة، فلو كانت فرضا لما جاز تركها بحال، كالطهارة وسائر أفعال الصلاة.
فإن قيل: إنما جاز ذلك للضرورة وهو خوف فوات الركعة. قيل له: خوف فوات الركعة ليس بضرورة من وجوه، أحدها: أن فعل الصلاة خلف الإمام ليس بفرض، لأنه لو صلاها منفردا أجزأه، وإنما هو فضيلة، فإذا خوف فواتها ليس بضرورة في تركها.
وأيضا فإنه لو كان محدثا لم يكن خوف فوات الجماعة مبيحا لترك الطهارة، وكذلك لو أدركه في السجود لم تكن له ضرورة في جواز سقوط الركوع، فلما جاز ترك القراءة في هذه الحال دون سائر الفروض دل على أنها ليست بفرض. ويدل على أنها ليست بفرض اتفاق الجميع على أن من كان خلف الإمام في الصلاة التي يجهر فيها لا يقرأ السورة مع
(٥٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 ... » »»