أحكام القرآن - الجصاص - ج ٣ - الصفحة ٥٤٠
قد تعبدنا فيها بتنفيذ أحكام غالب الظن. وأما الظن المباح فالشكاك في الصلاة أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتحري والعمل على ما يغلب في ظنه، فلو غلب ظنه كان مباحا وإن عدل عنه إلى البناء على اليقين كان جائزا، ونحوه ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لعائشة: إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا بالعالية وإنك لم تكوني حزتيه ولا قبضتيه وإنما هو مال الوارث وإنما هو أخواك وأختاك، قال: فقلت: إنما هي أسماء! فقال: ألقي في روعي أن ذا بطن خارجة جارية. فاستجاز هذا الظن لما وقع في قلبه. وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل قال: حدثنا هشام بن عمار عن عبد الرحمن بن سعد عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا ظننتم فلا تحققوا "، فهذا من الظن الذي يعرض بقلب الانسان في أخيه مما يوجب الريبة فلا ينبغي أن يحققه. وأما الظن المندوب إليه فهو حسن الظن بالأخ المسلم، هو مندوب إليه مثاب عليه. فإن قيل: إذا كان سوء الظن محظورا فواجب أن يكون حسن الظن واجبا. قيل له: لا يجب ذلك لأن بينهما واسطة، وهو أن لا يظن به شيئا فإذا أحسن الظن به فقد فعل مندوبا إليه.
قوله تعالى: (ولا تجسسوا). حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود عن القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ". وحدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: أتى ابن مسعود فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمرا! فقال عبد الله: " إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به ". وعن مجاهد:
" لا تجسسوا خذوا بما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله ". فنهى الله في هذه الآيات عن سوء الظن بالمسلم الذي ظاهره العدالة والستر، ودل به على أنه يجب تكذيب من قذفه بالظن، وقال تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين) [النور: 12]، فإذا وجب تكذيب القاذف والأمر بحسن الظن فقد اقتضى ذلك النهي عن تحقيق المظنون وعن إظهاره. ونهى عن التجسس بل أمر بالستر على أهل المعاصي ما لم يظهره منهم إصرار. حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا الفريابي عن إسرائيل عن الوليد - قال أبو داود:
ونسبه لنا زهير بن حرب عن حسين بن محمد عن إسرائيل في هذا الحديث - قال الوليد بن أبي هشام عن زيد بن زائد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يبلغني أحد عن أحد شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر لكم ". وحدثنا محمد بن
(٥٤٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 535 536 537 538 539 540 541 542 543 544 545 ... » »»