أحكام القرآن - الجصاص - ج ٣ - الصفحة ٣٦٢
وتوبته من قبل أن الحد في القذف يبطل العدالة من وجهين، أحدهما: عدالة الاسلام، والآخر: عدالة الفعل، والذمي لم يكن مسلما حين حد فيكون وقوع الحد به مبطلا لعدالة إسلامه، وإنما بطلت عدالته من جهة الفعل، فإذا أسلم فأحدث توبة فقد حصلت له عدالة من جهة الاسلام ومن طريق الفعل أيضا بالتوبة، فلذلك قبلت شهادته. وأما المسلم فإن الحد قد أسقط عدالته من طريق الدين ولم يستحدث بالتوبة عدالة أخرى من جهة الدين، إذ لم يستحدث دينا بتوبته، وإنما استحدث عدالة من طريق الفعل، فلذلك لم تقبل شهادته، إذ كان شرط قبول الشهادة وجود العدالة من جهة الدين والفعل جميعا.
فإن قيل: لما اتفقنا على قبول شهادته إذا تاب قبل وقوع الحد به دل ذلك على أن الاستثناء راجع إلى الشهادة كرجوعه إلى التفسيق، فوجب على هذا أن يكون مقتضيا لقبولها بعد الحد كهو قبله. قيل له: إن شهادته لم تبطل بالقذف قبل وقوع الحد به ولا وجب الحكم بتفسيقه لما بيناه في المسألة المتقدمة، ولو لم يتب وأقام على قذفه كانت شهادته مقبولة، وإنما بطلان الشهادة ولزومه سمة الفسق مرتب على وقوع الحد به، فالاستثناء إنما رفع عنه سمة الفسق التي لزمته بعد وقوع الحد فأما قبل ذلك فغير محتاج إلى الاستثناء في الشهادة ولا في الحكم بالتفسيق.
ودليل آخر على صحة قولنا، وهو أنا قد اتفقنا على أن التوبة لا تسقط الحد، ولم يرجع الاستثناء إليه، فوجب أن يكون بطلان الشهادة مثله لأنهما جميعا أمران قد تعلقا بالقذف، فمن حيث لم يرجع الاستثناء إلى الحد وجب أن لا يرجع إلى الشهادة، وأما التفسيق فهو خبر ليس بأمر فلا يلزم على ما وصفنا. ومن جهة أخرى أن المطالبة بالحد حق لآدمي فكذلك بطلان الشهادة حق لآدمي، ألا ترى أن الشهادات إنما هي حق للمشهود له وبمطالبة يصح أداؤها وإقامتها كما تصح إقامة حد القذف بمطالبة المقذوف؟
فوجب أن يكونا سواء في أن التوبة لا ترفعهما، وأما لزوم سمة الفسق فلا حق فيه لأحد فكان الاستثناء راجعا إليه ومقصورا عليه.
فإن قيل: إذا كان التائب من الكفر مقبول الشهادة فالتائب من القذف أحرى به قيل له: التائب من الكفر يزول عنه القتل ولا يزول عن التائب من القذف حد القذف، فكما جاز أن تزيل التوبة من الكفر القتل عن الكفار جاز أن تقبل توبته ولا يلزم عليه التائب من القذف لأن توبته لا تزيل الجلد عنه. وأيضا فإن عقوبات الدنيا غير موضوعة على مقادير الأجرام، ألا ترى أن القاذف بالكفر لا يجب عليه الحد والقاذف بالزنا يجب عليه الحد؟
فغلظ أمر القذف من هذا الوجه بما لم يغلظ به أمر القذف في أحكام الدنيا وإن كانت عقوبة الكفر في الآخرة أعظم.
(٣٦٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 ... » »»