تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٦ - الصفحة ٣٦٦
مجتمعان الا فرقنا بينهما فصاروا كسدى لا شبح له بعد ما كانوا مجتمعا ذا قوة وشوكة حتى ضرب بهم المثل (تفرقوا أيادي سبأ).
وقوله: (ان في ذلك لايات لكل صبار شكور) أي في هذا الذي ذكر من قصتهم لايات لكل من كثر صبره في جنب الله وكثر شكره لنعمه التي لا تحصى يستدل بتلك الآيات على أن على الانسان أن يعبد ربه شكرا لنعمه وأن وراءه يوما يبعث فيه ويجزى بعمله.
قوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين) أي حقق إبليس عليهم ظنه أو وجد ظنه صادقا عليهم إذ قال لربه: (لأغوينهم ولأضلنهم) (ولا تجد أكثرهم شاكرين)، وقوله: (فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين) بيان لتصديقه ظنه.
ومنه يظهر أن ضمير الجمع في (عليهم) ههنا وكذا في الآية التالية لعامة الناس لا لسبأ خاصة وان كانت الآية منطبقة عليهم.
قوله تعالى: (وما كان له عليهم من سلطان الا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك) ظاهر السياق أن المراد أنهم لم يتبعوه عن سلطان له عليهم يضطرهم إلى اتباعه حتى يكونوا معذورين بل انما اتبعوه عن سوء اختيارهم فهم يختارون اتباعه فيتسلط عليهم لا أنه يتسلط فيتبعونه، قال تعالى: (ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين) الحجر: 42، وقال حاكيا عن إبليس يوم القيامة:
(وما كان لي عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم) إبراهيم: 22.
ومنشأ اتباعهم له ريب وشك في قلوبهم من الآخرة يظهر منهم بظهور أثره الذي هو الاتباع لإبليس، فاذنه سبحانه لإبليس أن يتسلط عليهم من طريق اختيارهم هذا المقدار من التسلط ليمتاز به أهل الشك في الآخرة من أهل الايمان به ولا يرفع ذلك مسؤوليتهم في اتباعه لكونه عن اختيار منهم.
فقوله: (وما كان له عليهم من سلطان) نفى لكل سلطان، وقوله: (الا لنعلم) أي لنميز (من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك) استثناء لسلطانه عليهم من طريق
(٣٦٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 ... » »»
الفهرست