تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٦ - الصفحة ٣٦٥
والمعنى: جزينا سبأ ذلك الجزاء بسبب كفرهم واعراضهم عن الشكر - أو في مقابلة ذلك - ولا نجازي بالسوء الا من كان كثير الكفران لا نعم الله.
قوله تعالى: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة) الخ، ضمير (بينهم) لسبأ والكلام مسوق لبيان تتمة قصتهم المطلوب ذكرها وهو عطف على قوله: (كان لسبأ) والمراد بالقرى التي باركنا فيها القرى الشامية، والمراد بكون القرى ظاهرة كونها متقاربة يرى بعضها من بعض.
وقوله: (وقدرنا فيها السير) أي جعلنا السير فيها على نسبة مقدرة متناسبة غير مختلفة فالنسبة بين واحدة منها وما يليها كالنسبة بين ما يليها وما يليه، وقوله:
(سيروا فيها ليالي وأياما آمنين) على تقدير القول أي وقلنا: سيروا في هذه القرى على أمن ان شئتم ليالي وان شئتم أياما، والمراد قررنا فيها الا من يسيرون فيها متى ما شاؤوا من غير خوف وقلق.
قوله تعالى: (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم) الخ، أي أنعمنا عليهم ما أنعمنا من وفور الفواكه وقرب المنازل وأمن الطرق وسهولة السير ورغد العيش فملوا ذلك وسئموه وقالوا: ربنا باعد بين أسفارنا أي اجعل أسفارنا ذوات مسافات بعيدة نركب فيها الرواحل ونقطع المفاوز والبوادي وهذا بغى منهم وكفران كما طلبت بنو إسرائيل الثوم والبصل مكان المن والسلوى.
وبالجملة أتم الله نعمه عليهم في السفر بقرب المنازل وأمن الطرق ووفور النعمة كما أتم نعمه عليهم في الحضر وأراد منهم الشكر على ذلك فكفروا بنعمه في السفر كما كفروا بها في الحضر، فأسرع الله في اسعاف ما اقترحوه فخرب بلادهم وفرق جمعهم وشتت شملهم.
فقوله: (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا) اقتراح ضمني لتخريب بلادهم، وقوله:
(وظلموا أنفسهم) أي بالمعاصي.
وقوله: (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق) أي أزلنا أعيانهم وآثارهم فلم يبق منهم الا أحاديث يحدث بها فيما يحدث فعادوا أسماء لا مسمى لهم الا في وهم المتوهم وخيال المتخيل وفرقناهم كل تفرق فلم يبق من أجزاء وجودهم جزآن
(٣٦٥)
مفاتيح البحث: الشكر (2)، الخوف (1)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 ... » »»
الفهرست