الحق المبين - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١
فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها.
قوله عليه السلام: " وسكت عن أشياء " إلى قوله: " فاقبلوها " معناه أن كل ما لم يصل إليكم من التكاليف ولم يثبت في الشرع فليس عليكم شئ فلا تكلفوه على أنفسكم فإنه رحمة من الله لكم.
ثم إن فرضنا احتياجنا إلى مسألة ضرورية ليس عليها دليل واضح أو مستند معتبر فإن وجدناها في المتشابهات أخذنا بالأحوط وإن وجدناها في المتعارضات أخذنا بالتخيير بعد استيفاء مراتب الترجيح المنقولة عنهم عليهم السلام وإن كان الأحسن فيها أيضا الأخذ بالاحتياط مهما أمكن، وإن لم نجدها في شئ من هذين نرجع إلى ما أرشدونا إليه من التوقف وانتظار الفرج كما دل عليه الحديث الذي نقلناه من عيون الأخبار.
إن قيل: ما الفرق بين ما هو من قبيل الاحتياط والورع وبين ما هو من المخترعات والبدع؟
قلنا: الفرق بحمد الله واضح فإن الأول إما جمع بين الأمرين المحتملين أو أخذ بأشملهما وما يؤدي تأديتهما لتحصيل اليقين على سبيل التحري للاهتداء. والثاني تعمد لادخال ما ليس من الدين في الدين على سبيل الاجتراء والافتراء وشتان ما بينهما وإنما اشتبه ذلك على طائفة من أهل عصرنا لاعوجاج ما في سريرتهم وعمه ما في بصيرتهم، أعاذنا الله وإخواننا من مثله.
وقد ورد في الأمر بالاحتياط عند الاشتباه في الحكم أخبار كثيرة وكذا في التخيير عند التعارض، والتخيير باب واسع فتحه الله لعباده رحمة منه سبحانه يؤيده العقل السليم ويعاضده الفهم المستقيم والحمد لله الذي لم يجعل علينا في الدين من حرج وهدانا في كل مضيق للمخرج، وجعلنا من أهل الملة الحنيفية السهلة السمحاء (1) وإن لم يعرف قدرها المتكلفون منا الجهلاء حيث شددوا على أنفسهم وعلى من بهم أيتم، هداهم الله للتي هي أقوم.

1 - كذا، وأظن أن " السمحاء " لم تستعمل في العربية، فتفطن وراجع.
(١١)