الاعتبار - ابن أبي الدنيا - الصفحة ٨٠
بسم الله الرحمن الرحيم من الإسكندر قال عبد الله بن زياد وهو بني الإسكندرية وباسمه سميت الإسكندرية والإسكندراني فكتب من الإسكندر بن قيصر رفيق أهل الأرض بجسده قليلا ورفيق أهل السماء بروحه طويلا إلى أمه رومية ذات الصفا التي لم تمتع بثمرتها في دار القرب وهي مجاورته عما قليل في دار البعد يا أمتاه يا ذات الحلم أسألك برحمي وودي وولادتك وإن إياي هل وجدت لشئ قرارا ثابتا أو خيالا دائما ألم تري إلى الشجرة كيف تنضر أغصانها ويخرج ثمرها وتلتف أوراقها ثم لا يلبث الغصن أن يتهشم والثمرة أن تتساقط والورق أن يتناثر ألم تري النبت الأزهر يصبح نضيرا ويمسي هشيما ألم تري إلى النهار المضئ كيف يخلفه الليل المظلم ألم تري إلى القمر كيف يغشاه الكسوف ألم تري إلى شهب النار الموقدة ما أسرع ما تخمد إلى عذاب المياه الصافية ما أسرعها إلى البحور المتغيرة ألم تري إلى هذا الخلق كيف يتعيش في الدنيا وقد امتلأت منه الآفاق واستعلت به الآماق ولهت به الأبصار والقلوب إنما هما شيئان إما مولود وإما نبت وكلاهما مقرون به الفناء ألم تري أنه قيل لأهل هذه الدار روحي بأهلك فإنك لست لهم بدار يا والدة الموت ويا مورثة الأحزان ويا مفرقة بين الأحباب ومخربة العمران ألم تري أن كل مخلوق يجري على ما لا يدري وأن كل مستيقن منهم غير راض بما هو فيه وذلك أنه متروك لغير قرار وهل رأيت يا أمتاه إن كان أحد بالبكاء حقيقا فلتبك السماوات على نجومها ولتبك البحار على مائها وليبك الجو على طائره ولتبك الأرض على أولادها والنبت الذي يخرج منها وليبك الإنسان على نفسه الذي يموت في كل ساعة وعند كل طرفة وفي كل هم وقول وفعل بل على ما يبكي الباكي لفقد ما فقد
(٨٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 ... » »»
الفهرست