عمدة القاري - العيني - ج ٢ - الصفحة ١٥
بالعلو والاستعلاء، يكون حقيقة في بابه، وإذا كان لمساويه يكون التماسا، وإذا كان لأعلى منه يكون طلبا وسؤالا. فافهم.
بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه استحباب إلقاء العالم المسألة على أصحابه ليختبر أفهامهم، ويرغبهم في الفكر. الثاني: فيه توقير الكبار وترك التكلم عندهم، وقد بوب عليه البخاري بابا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. الثالث: فيه استحباب الحياء ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنى عمر، رضي الله عنه، أن يكون ابنه لم يسكت. الرابع: فيه جواز اللغز مع بيانه. فإن قلت: روى أبو داود من حديث معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن الأغلوطات)، قال الأوزاعي، أحد رواته: هي صعاب المسائل. قلت: هو محمول على ما إذا أخرج على سبيل تعنيت المسؤول أو تعجيزه أو تخجيله ونحو ذلك. الخامس: فيه جواز ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الأفهام، وتصوير المعاني في الذهن، وتحديد الفكر، والنظر في حكم الحادثة. السادس: فيه تلويح إلى أن التشبيه لا عموم له، ولا يلزم أن يكون المشبه مثل المشبه به في جميع الوجوه. السابع: فيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه، لأن العلم منح إلهية ومواهب رحمانية، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. الثامن: فيه دلالة على فضيلة النخل. قال المفسرون: * (ضرب الله مثلا كلمة طيبة) * (إبراهيم: 24) لا إلاه إلا الله، * (كشجرة طيبة) * (إبراهيم: 24) هي: النخلة * (أصلها ثابت) * (إبراهيم: 24) في الأرض، * (وفرعها في السماء) * (إبراهيم: 24) أي: رأسها * (تؤتي أكلها كل) * (إبراهيم: 25) وقت. شبه الله الإيمان بالنخلة لثبات الإيمان في قلب المؤمن، كثبات النخلة في منبتها، وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة، وما يكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان بما ينال من ثمر النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر، وقد ورد ذلك صريحا فيما رواه البزار من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: (قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم... فذكر هذه الآية فقال: أتدرون ما هي؟ قال ابن عمر: لم يخف علي أنها النخلة، فمنعني أن أتكلم لمكان سني، فقال رسول الله عليه السلام: هي النخلة). وروى ابن حبان من رواية عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يخبرني عن شجرة مثلها مثل المؤمن * (أصلها ثابت وفرعها في السماء) * (إبراهيم: 24)؟ فذكر الحديث، وروى البزار أيضا من طريق سفيان بن حسين عن أبي بشر عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمن مثل النخلة، فما أتاك منها نفعك). هكذا أورده مختصرا، وإسناده صحيح، وقال قال البزار: لم يرو هذا الحديث عن النبي، عليه السلام، بهذا السياق إلا ابن عمر وحده، ولما ذكره الترمذي قال: وفي الباب عن أبي هريرة. قلت: أخرجه عبد بن حميد في تفسيره بلفظ: مثل المؤمن مثل النخلة، وروى الترمذي أيضا، والنسائي، وابن حبان من حديث أنس، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قرأ: * (مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة) * (إبراهيم: 24)، قال: هي النخلة). تفرد برفعه حماد بن سلمة. وقال الكرماني: قيل: إن النخلة خلقت من بقية طينة آدم، عليه السلام، فهي كالعمة للأناسي. قلت: روي فيه حديث مرفوع، ولكنه لم يثبت.
5 ((باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم)) 62 حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان حدثنا عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم حدثوني ما هي) قال: فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبد: الله فوقع في نفسي أنها النخلة. ثم قالوا حدثنا ما هي يا رسول الله! قال: (هي النخلة).
أي: هذا باب في بيان إلقاء الإمام المسألة على أصحابه ليختبر أي: ليمتحن، من الاختبار وهو الامتحان. وكلمة: من، في العلم بيانية. والمناسبة بين البابين ظاهرة، فإن الحديث فيهما واحد عن صحابي واحد، غير أن الاختلاف في الترجمة، فلذلك أعاد الحديث.
وأما التفاوت في نفس متن الحديث فشئ يسير، وهو وجود الفاء في: فحدثوني، في الباب الأول، وههنا بلا فاء. على أن في بعض النسخ كلاهما بالفاء. فإن قلت: ما الفرق بين الذي بالفاء وبين الذي بغيرها؟ قلت: الأصل عدم الفاء لعدم الجهة الجامعة بين الجملتين المقتضية للعطف. أما الأول: فهو الفاء التي وقعت جوابا لشرط محذوف، تقديره: إن عرفتموها فحدثوني. فإن قلت: إذا كانت إعادة الحديث لأجل استفادة الترجمة التي عقد الباب لها منه، فما الفائدة في تغيير رجال
(١٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 ... » »»