المبسوط - السرخسي - ج ١٦ - الصفحة ١١٩
يمين واحدة ولهذا لم يذكر حرف العطف عند ذكر الصفات ولا يحلفه بغير الله تعالى لان ذلك منهى عنه قال صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليذر وقال صلى الله عليه وسلم من حلف بغير الله فقد أشرك ولا يستقبل به القبلة ولا يدخله المسجد وحيثما يحلفه فهو مستقيم لان المقصود تعظيم المقسم به وذلك حاصل سواء حلفه في المسجد أو في غير المسجد استقبل به القبلة أو لم يستقبل والشافعي رحمه الله يقول في المال العظيم يستحلف بمكة عند البيت وبالمدينة بين الروضة والمنبر وفي بيت المقدس عند الصخرة وفي سائر البلاد في الجوامع لحديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فإنه رأى قوما يستحلفون عند البيت قال أعلى دم أم أمر عظيم من المال لقد خفت ان يتهيأ الناس لهذا البيت وهذا نوع مبالغة للاحتياط فقد يمتنع الانسان من اليمين في هذا الموضع مالا يمتنع منها في سائر المواضع ولسنا نأخذ بهذا لما فيه من الزيادة على النصوص الظاهرة وهي تعدل النسخ عندنا وقد ظهر عمل الناس بخلافه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وفيه أيضا بعض الحرج على القاضي فان حلف المدعى عليه فلقد انقطعت المنازعة لأنه لا حجة للمدعى فحجته البينة أو اقرار الخصم أو نكوله وقد انعدم ذلك كله وليس له أن يخاصم بغير حجة يقول فان أبرأه القاضي أي منعه من أن يخاصمه بغير حجة لا أن يسقط حق الطالب عنه بقضائه ثم إن أقام الطالب البينة عليه بالحق فإنه يأخذه منه وبعض القضاة من السلف رحمهم الله كأن لا يسمعون البينة بعد يمين الخصم وكانوا يقولون كما يترجح جانب الصدق في جانب المدعى بالبينة ويتعين ذلك حتى لا ينظر إلى يمين المنكر بعده فكذلك يتعين الصدق في جانب المدعى عليه إذا حلف فلا يلتفت إلى بينة المدعى بعد ذلك ولسنا نأخذ بذلك وإنما نأخذ فيه بقول عمر رضي الله عنه فقد جوز قبول البينة من المدعى بعد يمين المدعى عليه ويقول عمر رضي الله عنه حيث قال اليمين الفاجرة أحق أن يرد من البينة العادلة ولسنا نقول بيمين المدعى عليه يتعين معنى الصدق في انكاره ولكن المدعى لا يخاصمه بعد ذلك لأنه لا حجة له فإذا وجد الحجة كان له أن يثبت حقه بها ولا يحلف الشاهد الا بأمرنا لاكرام الشهود وليس من اكرامه استحلافه ثم الاستحلاف ينبنى على الخصومة ولا خصم للشاهد وكما يستحلف المسلم في الخصومات تستحلف أهل الذمة لان المقصود النكول وهم يمتنعون عن اليمين الكاذبة ويعتقدون حرمة ذلك كالمسلمين (قال) ويحلف النصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام واليهود بالله الذي أنزل التوراة على
(١١٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 ... » »»
الفهرست