المبسوط - السرخسي - ج ١ - الصفحة ٤٩
النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل أنتوضأ بما أفضلت الحمر فقال نعم وبما أفضلت السباع كلها وفى حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة وما ينوبها من السباع فقال لها ما ولغت في بطونها وما بقي فهو لنا شراب وطهور ولان عينها طاهرة بدليل جواز الانتفاع بها في حالة الاختيار وجواز بيعها فيكون سؤرها طاهرا كسؤر الهرة (ولنا) ما روى أن ابن عمر وعمرو بن العاص رضي الله عنهما وردا حوضا فقال عمرو بن العاص يا صاحب الحوض أترد السباع ماءكم هذا فقال ابن عمر رضى الله تعالى عنه يا صاحب الحوض لا تخبرنا. فلولا أنه كان إذا أخبر بورود السباع يتعذر عليهم استعماله لما نهاه عن ذلك * والمعنى فيه أن عين هذه الحيوانات مستخبث غير طيب فسؤرها كذلك كالكلب والخنزير وهذا لان سؤرها يتحلب من عينها كلبنها ثم لبنها حرام غير مأكول فكذلك سؤرها وهو القياس في الهرة أيضا لكن تركنا ذلك بالنص وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الهرة ليست بنجسة انها من الطوافين عليكم والطوافات أشار إلى العلة وهي كثرة البلوى لقربها من الناس وهذا لا يوجد في السباع فإنها تكون في المفاوز لا تقرب من الناس اختيارا وتأويل الحديثين أنه كان ذلك في الابتداء قبل تحريم لحم السباع. أو السؤال وقع عن الحياض الكبار وبه نقول إن مثلها لا ينجس بورود السباع فأما سؤر الحمار فطاهر عند الشافعي رحمه الله تعالى وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما فإنه كأن يقول الحمار يعلف ألقت والتبن فسؤره طاهر وعندنا مشكوك فيه غير متيقن بطهارته ولا بنجاسته فان ابن عمر رضي الله عنهما كأن يقول إنه رجس فيتعارض قوله وقول ابن عباس رضي الله عنهما وكذلك الاخبار تعارضت في أكل لحمه * فروى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر * وروى أن أبجر ابن غالب رضي الله عنه قال لم يبق لي من مالي الا حميرات فقال عليه الصلاة والسلام كل من سمين مالك وكذلك اعتبار سؤره بعرقه يدل على طهارته واعتباره بلبنه يدل على نجاسته ولان الأصل الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهرة موجود في الحمار لأنه يخالط الناس لكنه دون ما في الهرة فإنه لا يدخل المضايق فلوجود أصل البلوى لا نقول بنجاسته ولكون البلوى فيه متقاعدا لا نقول بطهارته فيبقى مشكوكا فيه وأدلة الشرع أمارات لا يجوز أن تتعارض والحكم فيها الوقف * وكان أبو طاهر الدباس رحمه الله
(٤٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 ... » »»
الفهرست