مواهب الجليل - الحطاب الرعيني - ج ٨ - الصفحة ٢٩٢
فلا إضمار. وقيل الخطاب للناس والتقدير: ولكم في مشروعية القصاص حياة لان الشخص إذا علم أنه يقتص منه يكف عن القتل، ويحتمل أن لا يكون في الآية تقدير أيضا، ويكون القصاص نفسه فيه الحياة، أما لغير الجاني فلانكفافه، وأما للجاني فلسلامته من الاثم. قاله في التوضيح وابن عبد السلام. والقصاص تارة يتعلق بالنفس وتارة يتعلق بالأطراف، وبدأ المصنف بالكلام على القصاص في النفس وله ثلاثة أركان: القاتل والمقتول والقتل، فبدأ المصنف بالكلام على القاتل فقال: إن أتلف مكلف الخ. وإنما قال أتلف ولم يقل قتل لان الاتلاف يشمل المباشرة والتسبب، والقتل إنما يتبادر للمباشرة، وذكر أنه يشترط في وجوب القصاص على القاتل ثلاثة شروط. الأول أن يكون مكلفا وهو العاقل البالغ فلا قصاص على صبي ولا مجنون وعمدهما كالخطأ لقوله (ص) رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الغلام حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق رواه أبو داود وغيره بروايات متعددة ذكرتها في حاشية الأحاديث المشتهرة.
تنبيه: المرفوع في الحديث إنما هو الاثم وهو من باب خطاب التكليف، وأما الضمان فهو من باب خطاب الوضع. وخطاب التكليف هي الأحكام الخمسة الوجوب وشرط فيه علم المكلف وقدرته، وخطاب الوضع هو الخطاب بكثير الأسباب والشروط والموانع ولا يشترط فيها علم المكلف ولا قدرته ولا كونه من كسبه، فيضمن النائم ما أتلفه في حال نومه من الأموال في ماله، وكذلك ما أتلفه من الدماء غير أنه إن كان دون ثلث الدية فعليه الدية، وإن بلغ ثلث الدية فأكثر فهو على عاقلته، وليس هذا بمعارض للحديث المذكور لما قدمناه من كونه من باب خطاب الوضع الذي معناه أن الله تبارك وتعالى قال: إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أني حكمت بكذا والله أعلم.
فرع: فإن قتل المجنون في حال إفاقته اقتص منه. قاله في المدونة وغيرها. قال في التوضيح: ويقتص منه في حال إفاقته ابن المواز: فإن أيس من إفاقته كانت الدية عليه في ماله، وقال المغيرة: يسلم إلى أولياء المقتول يقتلونه إن شاؤوا. قال: ولو ارتد ثم جن لم أقتله حتى يصح لأني أدرأ الحدود بالشبهات ولا أقول هذا في حقوق الناس. ورد اللخمي أن يكون الخيار لأولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا هذا المجنون وإن شاؤوا أخذوا الدية إن كان له مال وإلا اتبعوه بها انتهى. وقال في الشامل: فإن أيس من إفاقته، فهل يسلم للقتل أو تؤخذ الدية من ماله؟ قولان:
وقال اللخمي: يخير الولي في أيهما شاء انتهى. فساووا بين القولين مع أن الثاني لابن المواز.
(٢٩٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 ... » »»
الفهرست