إعانة الطالبين - البكري الدمياطي - ج ١ - الصفحة ٢٤
عشر، وتفقه على مسلم بن خالد - مفتي مكة - المعروف بالزنجي لشدة شقرته، فهو من باب أسماء الأضداد، وأذن له في الافتاء وهو ابن خمس عشرة سنة، مع أنه نشأ يتيما في حجر أمه في قلة من العيش وضيق حال. وكان في صباه يجالس العلماء ويكتب ما يستفيده في العظام ونحوها حتى ملا منها خبايا، ثم رحل إلى مالك بالمدينة ولازمه مدة، ثم قدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة فأقام بها سنتين واجتمع عليه علماؤها ورجع كثير منهم عن مذاهب كانوا عليها إلى مذهبه، وصنف بها كتابه القديم. ثم عاد إلى مكة فأقام بها مدة، ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين فأقام بها، ثم خرج إلى مصر، فلم يزل ناشرا للعلم ملازما للاشتغال بجامعها العتيق. ثم انتقل إلى رحمة الله - وهو قطب الوجود - يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع ومائتين، ودفن بالقرافة بعد العصر من يومه. وانتشر علمه في جميع الآفاق وتقدم على الأئمة في الخلاف والوفاق، وعليه حمل الحديث المشهور: عالم قريش يملا طباق الأرض علما. لان الكثرة والانتشار في جميع الأقطار لم يحصلا في عالم قرشي مثله.
قال الأئمة ومنهم الإمام أحمد: هذا العالم هو الشافعي. وكان رضي الله عنه يقسم الليل على ثلاثة أقسام، ثلث للعلم، وثلث للصلاة، وثلث للنوم. ويختم القرآن في كل يوم مرة، ويختم في رمضان ستين مرة، كل ذلك في الصلاة. وكان رضي الله عنه يقول: ما شبعت منذ ست عشرة سنة، لأنه يثقل البدن ويقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة. وما حلفت بالله في عمري، لا كاذبا ولا صادقا. وسئل رضي الله عنه عن مسألة فسكت، فقيل له: لم لا تجيب؟
فقال: حتى أعلم، الفضل في سكوتي أو في جوابي. وكان رضي الله عنه مجاب الدعوة، لا تعرف له كبيرة ولا صغيرة. ومن كلامه رضي الله عنه:
أمت مطامعي فأرحت نفسي فإن النفس ما طمعت تهون وأحييت القنوع وكان ميتا ففي إحيائه عرضي مصون إذا طمع يحل بقلب عبد علته مهانة وعلاه هون ومن أدعيته رضي الله عنه: اللهم امنن علينا بصفاء المعرفة، وهب لنا تصحيح المعاملة فيما بيننا وبينك على السنة، وارزقنا صدق التوكل عليك وحسن الظن بك. وامنن علينا بكل ما يقربنا إليك مقرونا بعوافي الدارين برحمتك يا أرحم الراحمين. وبالجملة، فما نقل عنه نظما ونثرا لا يحصى، وفضائله وأخباره لا تستقصى، وقد أفردت بالتأليف، وفي هذا القدر كفاية. وحيث تبركنا بذكر نبذة من فضائل إمامنا الشافعي رضي الله عنه فلنتبرك بذكر بعض أخبار بقية الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين. فأقول:
الامام مالك رضي الله عنه، ولد سنة ثلاث وتسعين من الجهرة، وقيل: تسعين. وهو من أتباع التابعين على الصحيح، وقيل: من التابعين. وأخذ العلم عن سبعمائة شيخ، منهم ثلاثمائة من التابعين، وعليه حمل قوله (ص): لا تنقضي الساعة حتى تضرب أكباد الإبل من كل ناحية إلى عالم المدينة يطلبون علمه. وفي رواية: يوشك أن تضرب أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة. فكانوا يزدحمون على بابه لطلب العلم. وأفتى الناس وعلمهم نحو سبعين سنة بالمدينة. وكان - رضي الله عنه - يرى المصطفى (ص) كل ليلة في النوم. وسئل الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - عن مالك فقال: ما رأيت أعلم بسنة رسول الله (ص) منه. ولم يزل - رضي الله عنه - على حالة مرضية حتى اختاره رب البرية سنة تسع وسبعين ومائة، ودفن بالبقيع، وقبره مشهور.
وأما الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، فكانت ولادته في عصر الصحابة سنة ثمانية من الهجرة. وكان رضي الله عنه عابدا زاهدا عارفا بالله تعالى. قال حفص بن عبد الرحمن: كان أبو حنيفة رضي الله عنه يحيي الليل بقراءة القرآن في ركعة ثلاثين سنة. وقال السيد بن عمرو: صلى أبو حنيفة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة. ويروى أنه من شدة خوفه سمع قارئا يقرأ في
(٢٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 ... » »»
الفهرست