بداية الحكمة - السيد محمد حسين الطباطبائي - الصفحة ٦
موجود (1)، وغايتها معرفة الموجودات على وجه كلي وتمييزها مما ليس بموجود حقيقي.
توضيح ذلك: أن الانسان يجد من نفسه أن لنفسه حقيقة وواقعية، وأن هناك حقيقة وواقعية وراء نفسه، وأن له أن يصيبها، فلا يطلب شيئا من الأشياء ولا يقصده إلا من جهة أنه هو ذلك الشئ في الواقع، ولا يهرب من شئ ولا يندفع عنه إلا لكونه هو ذلك الشئ في الحقيقة، فالطفل الذي يطلب الضرع - مثلا - إنما يطلب ما هو بحسب الواقع لبن، لا ما هو بحسب التوهم والحسبان كذلك، والإنسان الذي يهرب من سبع، إنما يهرب مما هو بحسب الحقيقة سبع، لا بحسب التوهم والخرافة، لكنه ربما أخطأ في نظره، فرأى ما ليس بحق حقا واقعا في الخارج، كالبخت والغول، أو اعتقد ما هو حق واقع في الخارج باطلا خرافيا، كالنفس المجردة والعقل المجرد، فمست الحاجة بادئ بدء إلى معرفة أحوال الموجود بما هو موجود، الخاصة به (2)، ليميز بها (3) ما هو موجود في الواقع مما ليس كذلك، والعلم الباحث عنها هو الحكمة الإلهية.
فالحكمة الإلهية هي العلم الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود، ويسمى أيضا: " الفلسفة الأولى " (4)، و " العلم الأعلى ". وموضوعه: " الموجود بما

(1) قال الشيخ الرئيس - بعد التعرض لقول من قال بأن موضوع هذا العلم هو المبدأ الأول، ومن قال بأن موضوعه هو الأسباب القصوى، والرد عليهما -: " ان موضوع هذا العلم هو الموجود بما هو موجود " راجع الفصل الأول والفصل الثاني من المقالة الأولى من إلهيات الشفاء.
(2) أي الأحوال الخاصة بالموجود بما هو موجود.
(3) أي بالأحوال.
(4) وأول من سماه ب‍ " الفلسفة الأولى " هو الشيخ الرئيس حيث قال: " وهو الفلسفة الأولى، لأنه العلم بأول الأمور في الوجود، وهو العلة الأولى وأول الأمور في العموم ". وقال صدر المتألهين في وجه تسمية هذا العلم بالفلسفة الأولى - تعليقا على كلام الشيخ الرئيس -:
" إن المعلوم به مما له الأولية على كل شئ لوجهين. وهما الوجود والمعنى. فالأول كواجب الوجود، فإن وجوده أول الوجودات. والثاني كالوجود فإن معناه أول المعاني، أقدم خطورا بالبال من معنى الوجود، بل معناه أسبق من كل معنى ". راجع الفصل الثاني من المقالة الأولى من إلهيات الشفاء وتعليقات صدر المتألهين عليه.
(٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « 2 3 4 5 6 7 9 11 12 13 14 ... » »»