مفاهيم القرآن (العدل والإمامة) - الشيخ جعفر السبحاني - ج ١٠ - الصفحة ٩٢
نفوسهم حتى بعد إسلامهم رغم ما تلقوه من التعاليم الإسلامية والتربية القرآنية، ولذلك كانت تلك النزعة تظهر بين الفينة والأخرى وينشب بسببها النزاع و يكاد يتسع لولا حكمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتدبيره.
ويكفي في ذلك ما رواه أهل السير في تفسير قوله سبحانه: * (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين و لكن المنافقين لا يعلمون) *. (1) وقد نشب نزاع في العام السادس من الهجرة في أرض بني المصطلق عند ماء، حيث تنازع رجلان أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار على سقي الماء، فاقتتلا، فصرخ الأنصاري فقال: يا معشر الأنصار، والآخر قال: يا معشر المهاجرين، فاجتمع من كل رهط بسيوفهم، فلولا حكمة النبي صلى الله عليه و آله وسلم لسالت دماء في أرض العدو حيث قدم النبي صلى الله عليه وآله و سلم وقال: " دعوها فإنها دعوى منتنة " (2) يعني أنها كلمة خبيثة لأنها من دعوى الجاهلية، وجعل الله المؤمنين إخوة وحزبا واحدا.
وكم لهذا الموقف من نظائر في التاريخ، وبإمكانك أن تقرأ دور شاس بن قيس الذي كان شيخا من اليهود كيف خطط لإثارة النعرات الطائفية بين الأوس والخزرج حتى كادت أن تندلع الفتنة بينهما مرة أخرى إلا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخمدها بحكمة بالغة، قائلا: يا معشر المسلمين الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بين قلوبكم ". (3)

(٩٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 ... » »»