مجلة تراثنا - مؤسسة آل البيت - ج ٣٢ - الصفحة ٨٦
ب - يبدو من النص أن شيخنا المفيد - رضي الله عنه وأرضاه - كان قد استقل بالتدريس ونشر العلم، في ستينات القرن الرابع، وفي الثلاثينات من عمره الشريف، وشيخه - الذي حمل منه ما حمل - ابن قولويه بعد لا يزال حيا. وأنه كان له منذ تلك الأيام مجلس درس في مسجده الشهير بدرب رياح في الكرخ - وقد ذكرنا هذا من قبل عندما ترجمنا له - وأنه كان قد بلغ من الرفعة والجلالة الدرجة التي ترى مثل هذه السيدة الجليلة أم الشريفين أن تحضر بنفسها مجلسه آخذة معها ولديها الشريفين، إكراما له ورعاية لعلمه ومقامه.
وكان لها أن تستدعيه إلى بيتها، وهو ذلك البيت الرفيع الذي لا يأبى من الحضور فيه أحد ولو كان مثل الشيخ المفيد، وعذرها في ذلك خدرها، وأنعم به لمثلها من عذر! وفوق هذا كله الخلق العظيم النبوي والروح العلوية اللذين ورثتهما هي وبيتها الطاهر، وبهذا هان عليها كل تواضع وتنازل، والمجتمع المسلم لو كان قد جعل من هذا النموذج المثل الذي يقتدي به في سلوكه الفردي والاجتماعي لكانت الدنيا غير هذه الدنيا، والحياة غير هذه الحياة!.
ج - وأرى - وهذا من الهواجس النفسية، وأرجو أن يغفره لي أولئك الذين لا يؤمنون بالهواجس - أن الشريف الرضي يومذاك لم يكن قد بلغ السن الذي تمكنه من التعلم على أستاذ كالشيخ المفيد، إذ كان يومذاك في السابعة من عمره وأخوه الشريف المرتضى كان يكبره بخمس سنوات. ويخيل إلي المقصود أصالة كان هو الشريف المرتضى، ولكن الشريف الرضي بما فيه من نفسيات تسمو في كل شئ على غيره، ومنه إحساسه القوي بالتسامي والتعالي، كبر عليه أن يؤخذ أخوه إلى مجلس التعليم ولا يؤخذ هو، فأشرك في ذلك، مع العلم أن المادة التدريسية التي تعطى لمن كان في الحادية عشرة من عمرة تختلف في كثير عن التي تتناسب مع من بلغ السابعة فحسب.
وللكلام عن هذا الجانب الذي يرجع إلى سيرة الشريف الرضي رحمه الله مجال آخر، أرجو الله أن يوفقني إلى العود إليه.
(٨٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 ... » »»
الفهرست