مجلة تراثنا - مؤسسة آل البيت - ج ٢١ - الصفحة ١٥٣
درجة كافية من الوعي للدين، وأحكامه، ومفاهيمه، وسياساته، بل كانوا مشغولين بأنفسهم وملذاتهم وتجاراتهم، فإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائما. وقد تعرض كثير من الناس منهم لتهديدات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحرق بيوتهم، لأنهم كانوا يقاطعون صلاة الجماعة التي كان يقيمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالذات، كما أنه قد كان ثمة جماعة اتخذت لنفسها مسجدا تجتمع فيه، وتركت الحضور في جماعة المسلمين، وهو ما عرف بمسجد الضرار، وقد هدمه صلى الله عليه وآله وسلم، كما هو معروف.
وتكون النتيجة هي أنه لا يبقى في ساحة الصراع والعمل السياسي إلا أهل الطموحات، وأصحاب النفوذ من قريش، صاحبة الطول والحول في المنطقة العربية بأسرها. بالإضافة إلى أفراد معدودين من غير قريش أيضا.
فكان هؤلاء هم الذين يدبرون الأمور ويوجهونها بالاتجاه الذي يصب في مصلحتهم، ويؤكد هيمنتهم، ويحركون الجماهير بأساليب متنوعة، أتقنوا الاستفادة منها بما لديهم من خبرات سياسية طويلة.
فكانوا يستفيدون من نقاط الضعف الكثيرة التي كانت لدى السذج والبسطاء، أو لدى غيرهم ممن لم يستحكم الإيمان في قلوبهم بعد، ممن كانت تسيرهم الروح القبلية، وتهيمن على عقلياتهم وروحياتهم المفاهيم والرواسب الجاهلية.
كما أن أولئك الذين وترهم الإسلام - أو قضى على الامتيازات التي لا يستحقونها، وقد استأثروا بها لأنفسهم ظلما وعلوا - كانوا يسارعون إلى الاستجابة إلى أي عمل يتوافق مع أحقادهم، وينسجم مع مشاعرهم رأحاسيسهم الثائرة ضد كل ما هو حق وخير، ودين وإسلام.
وهذا هو ما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حينما ذكر: أن تأخيره إبلاغ أمر الإمامة بسبب أنه كان يخشى قومه، لأنهم قريبو عهد بجاهلية، بغيضة ومقيتة، لا يزال كثيرون منهم يعيشون بعض مفاهيمها، وتهيمن عليهم بعض أعرافها.
وهكذا يتضح: أن الأخيار والواعين من الصحابة، مهما كثر عددهم فإن
(١٥٣)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 ... » »»
الفهرست