مجلة تراثنا - مؤسسة آل البيت - ج ١٩ - الصفحة ٢٠٥
أولها: اتفاق أهل العربية على أن الإعراب بالمجاورة شاذ نادر ولا يقاس عليه، وإنما ورد مسموعا في مواضع لا يتعداها إلى غيرها " وما هذا سبيله فلا يجوز حمل القرآن عليه من غير ضرورة تلجئ إليه (32).
وثانيها: أن المجاورة لا يكون معها حرف عطف، وهذا ما ليس فيه بين العلماء خلاف (33) وفي وجود واو العطف في قوله تعالى: (وأرجلكم) دلالة على بطلان دخول المجاورة فيه، وصحة العطف.
وثالثها: أن الإعراب بالجوار إنما يكون بحيث ترتفع الشبهة عن الكلام، ولا يعترض اللبس في معناه، ألا ترى أن الشبهة زائلة والعلم حاصل في قولهم: جحر ضب خرب، بأن خربا صفة للجحر دون الضب، وكذلك ما أنشد في قوله: مزمل، وأنه من صفات الكبير دون البجاد؟!
وليس هكذا الآية، لأن الأرجل يصح أن يكون فرضها المسح، كما يصح أن يكون الغسل، فالتبس مع المجاورة فيها قائم، والعلم بالمراد منها مرتفع، فبان بما ذكرناه أن الجر فيها ليس هو بالمجاورة، والحمد لله.
فإن قيل: كيف ادعيتم أن المجاورة لا تجوز مع واو العطف، وقد قال الله

(٣٢) اتفق كثير من أئمة اللغة على أن الجر بالمجاورة ضعيف جدا ولا يقاس عليه، وأنكر البعض أن يكون الجر بالمجاورة جائزا في كلام العرب، ومن جملة من أنكره السيرافي وابن جني، وقد تأولا " خرب " في قولهم: " هذا جحر ضب خرب " صفة للضب لا للجحر، قال السيرافي: أصله " خرب الجحر منه " ثم حذف الضمير للعلم به كما تقول: " مررت برجل حسن الوجه " بالإضافة. والأصل: " حسن الوجه منه ".
وقال ابن جني. الأصل: " خرب جحره " ثم أنيب المضاف إليه عن المضاف فارتفع واستتر.
وقال الفراء: لا يخفض بالجوار إلا ما استعملته العرب.
وقال أبو إسحاق النحوي: الجر بالمجاورة لا مجوز في كتاب الله عز وجل، وإنما يجوز في ضرورة الشعر.
وقال جل النحاة: إن المسموع من كلام العرب في " جحر ضب خرب " وغيره الرفع والجر، والرفع في كلامهم أكثر وأفصح.
أنظر: مغني اللبيب ٢: ٨٩٤ و ٨٩٦، الكتاب ١: ٤٣٦، لسان العرب ٢: ٥٩٣، خزانة الأدب ٥: ٩١، التفسير الكبير - للفخر الرازي - ١١: ١٦١، كنز العرفان ١: ١٦.
(٣٣) خزانة الأدب ٥: ٩٤ و 9: 444، مغني اللبيب 2: 895، التفسير الكبير - للفخر الرازي - 11: 161.
(٢٠٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 ... » »»
الفهرست