الدر النظيم - إبن حاتم العاملي - الصفحة ٦٩٦
عند المأمون ورجع إلى داره، ثم رأيت الأمر قد خرج من عند المأمون بإحضار الأطباء، فقلت: ما هذا؟ فقيل لي: غمة عرضت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) فكان الناس في شك، وكنت أنا في يقين، لما علمت من سيدي (عليه السلام).
فلما كان في بعض الليل علا الصياح وسمعت الرجة من الدار فأسرعت فيمن أسرع فإذا نحن بالمأمون مكشوف الرأس محلل الأزرار قائما على قدميه، فقلت:
ما القصة؟ فقالوا: توفي والله أبو الحسن الرضا (عليه السلام). ثم إن الناس كتموا أمره يوما وليلة، ثم أنفد إلى محمد بن جعفر الصادق وجماعة من آل أبي طالب الذين كانوا عنده، فلما حضروا نعاه إليهم وبكى وأظهر حزنا شديدا وتوجعا وأراهم أنه صحيح الجسم وقال: يعز علي يا أخي أن أراك في هذه الحال وقد كنت أؤمل أن أتقدم قبلك، فأبى الله إلا ما أراد.
قال هرثمة: فلما أصبحنا جلس المأمون للتعزية، ثم قام يمشي إلى الموضع الذي فيه سيدنا الرضا (عليه السلام) فقال: أصلحوا لنا موضعا فإني أريد أن اغسله. فدنوت منه فقلت: خلوة يا أمير المؤمنين. فأخلا نفسه، فأعدت عليه ما قاله سيدي بسبب الغسل والكفن والدفن فقال لي: لست أعرض لك في ذلك شأنك يا هرثمة. قال:
فلم أزل قائما حتى رأيت الفسطاط الأبيض قد نصب في جانب الدار فحملته ووضعته في جانب الفسطاط ووقفت من ظاهره وكل من في الدار دوني وأنا أسمع التكبير والتهليل والتسبيح وتردد الأواني وصوت صب الماء وتضوع رائحة الطيب لم أشم مثله. قال: فإذا أنا بالمأمون قد أشرف علي من بعض داره فصاح:
يا هرثمة أليس زعمتم أن الإمام لا يغسله إلا إمام مثله وأين ابنه عنه وهو بمدينة الرسول ونحن بطوس من ارض خراسان؟ قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين إن الإمام لا يجب أن يغسله إلا إمام مثله، فإن تعدى متعد ومنع عن ذلك فغسل الإمام لم يبطل إمامة الإمام لتعدي غاسله ولا بطلت إمامة الإمام الذي هو بعده إن غلب على غسل أبيه، ولو توفي أبو الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بالمدينة لغسله ابنه محمد ظاهرا، ولا يغسله الآن إلا هو من حيث يختفي. قال: فسكت عني ثم
(٦٩٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 691 692 693 694 695 696 697 698 699 701 703 ... » »»