تاريخ ابن خلدون - ابن خلدون - ج ١ - الصفحة ٣٧٠
عوائد الحضارة باليمن لاتصال دولة العرب بها منذ عهد العمالقة والتبابعة آلافا من السنين وأعقبهم ملك مصر وكذلك الحضارة بالعراق لاتصال دولة النبط والفرس بها من لدن الكلدانيين والكيانية والكسروية والعرب بعدهم آلافا من السنين فلم يكن على وجه الأرض لهذا العهد أحضر من أهل الشام والعراق ومصر وكذا أيضا رسخت عوائد الحضارة واستحكمت بالأندلس لاتصال الدولة العظيمة فيها للقوط ثم ما أعقبها من ملك بني أمية آلافا من السنين وكلتا الدولتين عظيمة فاتصلت فيها عوائد الحضارة واستحكمت. وأما أفريقية والمغرب فلم يكن بها قبل الاسلام ملك ضخم إنما قطع الإفرنجة إلى أفريقية البحر وملكوا الساحل وكانت طاعة البربر أهل الضاحية لهم طاعة غيره مستحكمة فكانوا على قلعة وأوفاز وأهل المغرب لم تجاورهم دولة وإنما كانوا يبعثون بطاعتهم إلى القوط من وراء البحر ولما جاء الله بالاسلام وملك العرب أفريقية والمغرب لم يلبث فيهم ملك العرب إلا قليلا أول الاسلام وكانوا لذلك العهد في طور البداوة ومن استقر منهم بإفريقية والمغرب لم يجد بهما من الحضارة ما يقلد فيه من سلفه إذ كانوا برابر منغمسين في البداوة ثم انتقض برابرة المغرب الأقصى لأقرب العهود على يد ميسرة المطفري أيام هشام ابن عبد الملك ولم يراجعوا أمر العرب بعد واستقلوا بامر أنفسهم وإن بايعوا لإدريس فلا تعد دولته فيهم عربية لان البرابر هم الذين تولوها ولم يكن من العرب فيها كثير عدد وبقيت أفريقية للأغالبة ومن إليهم من العرب فكان لهم من الحضارة بعض الشئ بما حصل لهم من ترف الملك ونعيمه وكثرة عمران القيروان وورث ذلك عنهم كتامة ثم صنهاجة من بعدهم وذلك كله قليل لم يبلغ أربعمائة سنة وانصرمت دولتهم واستحالت صبغة الحضارة بما كانت غير مستحكمة وتغلب بدو العرب الهلاليين عليها وخربوها وبقي أثر خفي من حضارة العمران فيها وإلى هذا العهد يونس فيمن سلف له بالقلعة أو القيروان أو المهدية سلف فتجد له من الحضارة في شؤون منزله وعوائد أحواله آثارا ملتبسة بغيرها يميزها الحضري البصير بها وكذا في أكثر أمصار أفريقية وليس كذلك في المغرب وأمصاره لرسوخ الدولة بإفريقية أكثر أمدا منذ عهد الأغالبة والشيعة وصنهاجة وأما المغرب فانتقل إليه منذ دولة
(٣٧٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 ... » »»