تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ١٨ - الصفحة ١٢٩
أو بالشخص عبادة من حيث أن فيه اقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذا لعن من لعنه الله تعالى على الوجه الذي لعنه سبحانه به، هذا وقوله عز وجل: * (يوم تشهد) * الخ إما متصل بما قبله مسوق لتقرير العذاب العظيم بتعيين وقت لحلوله وتهويله ببيان ظهور جناية الرامين المستتبعة لعقوباتها على كيفية هائلة وهيئة خارقة للعادات فيوم ظرف لما في * (لهم) * من معنى الاستقرار لا لعذاب كما ذهب إليه الحوفي لما في جواز إعمال المصدر الموصوف من الخلاف، وقيل: لإخلاله بجزالة المعنى وفيه نظر، وأما منقطع عنه على أنه ظرف لا ذكر محذوفا أو ليوفيهم الآتي كما قيل بكل، واختير أنه ظرف لفعل مؤخر وقد ضرب عنه الذكر صفحا للإيذان بأن العبارة لا تكاد تحيط بتفصيل ما يقع فيه من العظائم والكلام مسوق لتهويل اليوم بتهويل ما يحويه كأنه قيل: يوم تشهد عليهم * (ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) * يظهر من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به نطاق المقال على أن الموصول المذكور عبارة عن جميع أعمالهم السيئة وجناياتهم القبيحة لا عن جناياتهم المعهودة فقط.
ومعنى شهادة الجوارح المذكورة بها أنه عز وجل ينطقها بقدرته فتخبر كل جارحة منها بما صدر عنها من أفاعيل صاحبها لا أن كلاف منها يخبر بجنايتهم المعهودة فحسب. والموصول المحذوف عبارة عنها وعن فنون العقوبات المترتبة عليها كافة لا عن إحداهما خاصة ففيه من ضروب التهويل بالإجمال والتفصيل ما لا مزيد عليه قاله شيخ الإسلام، ثم قال: وجعل الموصول المذكور عبارة عن جنايتهم المعهودة وحمل شهادة الجوارح على إخبار الكل بها فقط تحجير للواسع وتهوين للأمر الرادع. والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرارهم على هاتيك الأعمال في الدنيا وتجددها منهم آنا فآنا. وتقديم * (عليهم) * على الفاعل للمسارعة إلى كون الشهادة ضارة لهم مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر اه‍ ولا يخلو عن حسن.
وجوز أن تكون الشهادة بما ذكر مجازا عن ظهور آثاره على هاتيك الأعضاء بحيث يعلم من يشاهدهم ما عملوه وذلك بكيفية يعلمها الله تعالى. واعترض بأنه معارض بقوله تعالى: * (أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) * (فصلت: 21). وأجيب بأن مجوز ما ذكر يجعل النطق مجازا عن الدلالة الواضحة كما قيل به في قولهم نطقت الحال أو يقول: هذا في حال وذاك في حال أو كل منهما في قوم.
ولا يخفى أن الظاهر بقاء الشهادة على حقيقتها إلا أنه استشكل ذلك بأنه حينئذ يلزم التعارض بين ما هنا وقوله تعالى في سورة يس: * (اليوم نختم على أفواههم) * (يس: 65) الآية لأن الختم على الأقواه ينافي شهادة الألسن.
وأجيب بأن المراد من الختم على الأفواه منعهم عن التكلم بالألسنة التي فيها وذلك لا ينافي نطق الألسنة نفسها الذي هو المراد من الشهادة كما أشرنا إليه فإن الألسنة في الأول آلة للفعل وفي الثاني فاعلة له فيجتمع سبحانه الذراع المسموم ناطقا متكلما حتى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مسموم. وللمعتزلة في ذلك كلام، وقيل في التوفيق يجوز أن يكون كل من الختم والشهادة في موطن وحال، وأن يكون الشهادة في حق الرامين والختم في حق الكفرة، وكأنه لما كانت هذه الآية في حق القاذف بلسانه وهو مطالب معه بأربعة شهداء ذكر فيها خمسة أيضا وصرح باللسان الذي به عمله ليفضحه جزاء له من جنس عمله قاله الخفاجي وقال: إنها نكتة
(١٢٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 ... » »»