تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ١٨ - الصفحة ١٣٠
سرية والله تعالى أعلم بأسرار كتابه فتدبر.
وقرأ الأخوان. والزعفراني. وابن مقسم. وابن سعدان * (يشهد) * بالياء آخر لحروف ووجهه ظاهر. [بم وقوله تعالى:
* (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين) *.
* (يومئذ) * ظرف لقوله سبحانه: * (يوفيهم الله دينهم الحق) * والتنوين عوض عن الجملة المضافة إليها، والتوفية إعطاء الشيء وافيا، والدين هنا الجزاء ومنه كما تدين تدان، والحق الموجد بحسب مقتضى الحكمة، وقريب منه تفسيره بالثابت الذي يحق أن يثبت لهم لا محالة أي يوم إذ تشهد عليهم أعضاؤهم المذكورة بأعمالهم القبيحة يعطيهم الله تعالى جزاءهم المطابق لمقتضى الحكمة وافيا تاما؛ والكلام استئناف مسوق لبيان ترتيب حكم الشهادة عليها متضمن لبيان ذلك المبهم المحذوف فيما سبق على وجه الإجمال، وجوز أن يكون * (يومئذ) * بدلا من * (يوم تشهد) * من جوز تعلق ذاك بيوفيهم. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما * (يوفيهم) * مخففا. وقرأ عبد الله. ومجاهد. وأبو روق. وأبو حيوة * (الحق) * بالرفع على أنه صفة للاسم الجليل، ويجوز الفصل بالمفعول بين الموصوف وصفته، ومعنى الحق على هذه القراءة على ما قال الراغب الموجد للشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، وفسره بعضهم بالعادل، والأكثرون على تفسيره بالواجب لذاته، وكذا في قوله سبحانه: * (ويعلمون أن الله هو الحق المبين) * والمبين إما من أبان اللازم أي الظاهر حقيته على تقدير جعله نعتا للحق أو الظاهر ألوهيته عز وجل على تقدير جعله خبرا ثانيا أو من أبان المتعدي أي المظهر للأشياء كما هي في أنفسها، وجملة * (يعلمون) * معطوفة على جملة * (يوفيهم الله) * فإن كانت مقيدة بما قيدت به الأولى فالمعنى يوم إذ تشهد عليهم أعضاؤهم المذكورة بأعمالهم القبيحة يعلمون أن الله الخ، وإن لم تكن مقيدة بذلك جاز أن يكون المعنى ويعلمون عند معاينتهم الأهوال والخطوب أن الله الخ، والظاهر أن للشهادة على الأول وللمعاينة على الثاني دخلا في حصول العلم بمضمون ما في حيز * (يعلمون) * فتأمل لتعرف كيفية الاستدلال على ذلك فإن فيه خفاء لا سيما مع ملاحظة الحصر المأخوذ من تعريف الطرفين وضمير الفصل، وقيل: إن علم الخلق بصفاته تعالى يوم القيامة ضروري: وإن تفاوتوا في ذلك من بعض الوجوه فيعلمون ما ذكر من غير مدخلية أحد الأمرين، ولعل فائدة هذا العلم يأسهم من إنقاذ أحد إياهم مما هم فيه أو انسداد باب الاعتراض المروح للقلب في الجملة عليهم أو تبين خطئهم في رميهم حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالباطل لما أن حقيته تأبى كونه عز وجل حقا أي موجدا للأشياء بحسب ما تقتضيه الحكمة لما قدمنا من أن فجور زوجات الأنبياء عليهم السلام مخل بحكمة البعثة، وكذا تأتي كونه عز وجل حقا أي واجبا لذاته بناء على أن الوجوب الذاتي يستتبع الاتصاف بالحكمة بل بجميع الصفات الكاملة، وهذه الجملة ظاهرة جدا في أن الآية في ابن أبي وأضرابه من المنافقين الرامين حرم الرسول صلى الله عليه وسلم لأن المؤمن عالم أن الله تعالى هو الحق المبين منذ كان في الدنيا لا أنه يحدث له علم ذلك يوم القيامة. ومن ذهب إلى أنها في الرامين من المؤمنين أو فيهم وفي غيرهم من المنافقين قال: يحتمل أن يكون المراد من العلم بذلك التفات الذهن وتوجهه إليه ولا يأبى ذلك كونه حاصلا قبل. وقد حمل السيد السند قدس سره في حواشي المطالع العلم في قولهم في تعريف الدلالة كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر على ذلك لئلا يرد أنه يلزم على الظاهر أن لا يكون للفظ دلالة عند التكرار لامتناع علم المعلوم.
ويحتمل أن يكون قد نزل علمهم الحاصل قبل منزلة غير الحاصل لعدم ترتب ما يقتضيه من الكف عن الرمي
(١٣٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 ... » »»